كيسنجر وحتمية المأساة

كيسنجر وحتمية المأساة
طارق عثمان

طارق عثمان

7:02 ص, الأحد, 8 أغسطس 21

هنرى كيسنجر لا يعيش على ماضيه. الرجل ما زال يكتب ويحاضر ويشير بآرائه على عدد من المؤسسات والدول.. كل ذلك وهو على مشارف المائة عام. والمهم أن لآرائه تأثيرًا، وذلك أوضحُ ما يكون فى توجهات الولايات المتحدة نحو الصين، وتلك بالطبع واحدة من أهم ملفات السياسة الأمريكية إن لم تكن أهمها فى هذه اللحظة.

لعل اقترابه من هذه السن واستمرارية تأثيره هو ما دعا عددًا من الكُتاب الأمريكيين لكتابة كتب جديدة عنه. واحد من تلك الكتب الجديدة كتبه بارى جيوين؛ وهو صحفى له أكثر من ثلاثين عامًا خبرة فى كبرى صحف الساحل الشرقى للولايات المتحدة. جيوين ليس قريبًا من كيسنجر، ولذلك فإن كتابه نظرة من بعيد، لكنها نظرة تستحق التوقف أمامها.

جيوين يبدأ بتحديد الاتهامات الرئيسية التى تُوجَّه من كثيرين، سواء فى الولايات المتحدة أو أوروبا، إلى كيسنجر. لكن جيوين لا يركز على السياسات التى يراها كثيرون خاطئة، ولا على النتائج التى يصفها كثيرون بالكارثية، لكنه يركز على القيم فى عقل كيسنجر، والتصورات حول المجتمعات الإنسانية، التى دعت كيسنجر لتشكيل أهم سياساته.

الكتاب إذن محاولة لفهم كيف يفكر كيسنجر، وكيف تشكل فكره من خلال ما عاشه، من خلال تجاربه الشخصية، ومن خلال الأفكار التى تعرَّض لها فى شبابه وكيف تعامل معها.

جيوين يأخذنا إلى البداية، فى ألمانيا النازية. هنا نحن أمام عرض تفصيلى لأثر صعود هتلر والحزب النازى على التجربة الحياتية لمُراهق يهودى فى ألمانيا فى تلك الفترة. لكن قيمة الكتاب أنه لا يركز على الجانب النفسى ولكن الفكري. أى أنه يعرض بتفصيل كبير كيف كونت تجربة المجتمع الألمانى التى عاشها كيسنجر– والتى كتب عنها فيما بعد تحليلات واسعة- رؤيته لقدرة الديموقراطية على المحافظة على القيم الليبرالية، حتى فى مجتمعات ذات تراكم مهول من الثقافة شديدة الرقي.

بعد ذلك جيوين يأخذنا إلى تجربة المهاجر الألمانى الشاب الذى خرج وعائلته تاركين ألمانيا إلى الولايات المتحدة وتأثير العيش فى بروكلين بنيويورك على عقل هذا الفتى. جيوين يأخذ وقته- وعشرات الصفحات- فى شرح رؤيته لتجربة العائلة وكيف أثرت هذه التجربة على الشاب. والمهم هنا التركيز على التناقضات الشديدة التى واجهها المهاجرون الأوروبيون عند قدومهم للولايات المتحدة فى الثلاثينات والأربعينات.

المرحلة اللاحقة هى تجربته كمجنَّد فى الجيش الأمريكى فى نهايات الحرب العالمية الثانية وكيف رأى بلده الأم، ألمانيا، وخدم فيها كعسكرى أمريكى فى أثناء تلك التجربة. وتلك تجربة ثرية حيث تتضارب الهويات ويواجه المرء أسئلة صعبة عن الثقافات وتأثيرها على الشخصية، وذلك واصل إلى جوهر الانتماء.

بعد ذلك نرجع مع كيسنجر إلى أمريكا، حيث يستكمل تعليمه الجامعي، ثم نخرج معه من مرحلة الدراسة إلى التدريس فنرى كيسنجر الأستاذ الجامعى والمشارِك فى مجموعات تفكير بعدد من أهم مراكز العلاقات الدولية فى الولايات المتحدة. ثم بعد ذلك نذهب مع كيسنجر إلى دوائر السياسة أولًا فى الحزب الديمقراطى ثم الجمهورى ثم إلى مراكز صنع القرار فى البيت الأبيض ووزارة الخارجية.. وفى كل ذلك تركيز جيوين على تشكُّل عقل كيسنجر- خاصة على الصراعات الفكرية التى يواجهها. وهنا تبرز نقطة مهمة، غالبًا ما تكون بعيدة عن فِكر من لا يعرفون الولايات المتحدة جيدًا، وهى حجم التناقضات فى المجتمع الأمريكي، بما فيه على القمة، وكيف أن هذه التناقضات تعبير عن اختلافات مهولة؛ ليس فقط بين مكونات المجتمع الأمريكي، ولكن أيضًا فى تفسير التجربة الأمريكية منذ بداياتها.

حتى فى الجانب الشخصي، فى علاقات كيسنجر، فى زواجه، فى صداقاته، فى المحيط الاجتماعى الذى بدأ يدخل فيه، جيوين يربط الظاهر، ما كان حول كيسنجر، بالداخل، الأفكار والتصورات.

المحصّلة من هذه الرحلة داخل فِكر كيسنجر ليست فقط فهمه، ولكن فهم لماذا دفع الرجل نحو اتخاذ سياسات معينة. وإذا كانت هناك نقطة جوهرية خارجة من الإبحار فى كل تلك الجوانب والمراحل من حياته وتفكيره، فهى القناعة التى تكونت ببطء ولكن بقوة وعلى مدى عقود داخل عقل كيسنجر، بهشاشة النظم السياسية والقيم التى يظن كثيرون أنها ثابتة فى مجتمعات متقدمة، بينما هى واهية وقابلة للكسر، أحيانًا ببساطة. من هذا المنطلق، فإن كتاب جيوين فى عمقه دراسة لفكر كيسنجر حول لماذا تتكرر المأسى فى مجتمعات كثيرة عبر التاريخ. وكيف أن تلك الرؤية (التى لا شك سيصفها كثيرون بالتشاؤمية) كانت فى خلفية السياسات التى صاغها كيسنجر، وقد كانت تلك السياسات فى قلب تعامل الولايات المتحدة مع مجموعة من أهم الملفات فى العالم فى العقود الخمسة الماضية.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن