باختصار.. لم يكن الكثير من الصحفيين الذين احتشدوا للادلاء بأصواتهم داخل مبني النقابة في حاجة إلي اختلاق مبرر هزلي، يبررون به عدم التصويت لمرشح الحكومة لمقعد النقيب.
فللمرة الأولي.. منذ نحو عشرين عاما، تشهد انتخابات النقابة اتفاقا جليا بين غالبية الصحفيين علي انتهاك قواعد اللعبة التي سنتها الحكومة، ونجحت في ترسيخها طوال هذه الفترة، بفرض مرشحها ملكا متوجا علي رؤوس الصحفيين. وهي اللعبة التي أطلق عليها البعض مجازا مصطلح «النقيب الجسر»، تعبيرا عن مضمون مفاده اختيار قيادة صحفية قادرة علي لعب دور همزة الوصل، ما بين الجسد الصحفي والصولجان الحكومي.
وهكذا ومع اقتراب موعد انتخابات النقيب كل عامين.. يتصارع رؤساء المؤسسات الصحفية الرسمية علي الفوز بثقة الحكومة ودعمها لخوض الانتخابات، وسط الترويج لنغمة ترددت تدريجيا طوال هذه السنوات حتي صارت مع الوقت لحنا كبيرا له مقدمة وكوبليهات متكاملة وخاتمة، يطرب لها الكثير من الصحفيين.
أما المقدمة.. فهي تبدو بديهية تتضمن ضرورة أن يكون الاختيار عقلانيا يقوم علي اختيار المرشح القادر علي جلب الحد الأقصي من المزايا والمنافع.
وأما الكوبليهات فتسهب في تكرار لا يمل أبدا عن طبيعة هذه المزايا: بدلات تكنولوجية- وحدات سكنية- مصايف- أراض- اشتراكات مخفضة في النوادي وخلافه.
ويكون من الطبيعي، أن تسفر الخاتمة عن اختيار وحيد، هو المرشح الحكومي في مواجهة مرشح يتم نعته – بالحنجوري- تعبيرا عن قدرته الفائقة علي الكلام وحده دون الأفعال.
فالفعل هو خدمات – لا حقوق- يتم الحصول عليها برضا الحكومة عن شخص النقيب ودعمها له، لا بضغط جماعي، تمارسه نقابة مستقلة لانتزاع حقوقها.
وحتي نرد الحق لأصحابه.. فإن الفضل في كسر قواعد اللعبة يعود في المقام الأول إلي صانعها- الحكومة- التي أمعنت في غيها هذه المرة، بعد أن أوهمها تكرارها النمطي، بتمتعها بقدرة مطلقة، علي تسيير الأمور أيا كانت الظروف والملابسات والاختيارات.
فما كان منها إلا أن القت بمرشحها – الذي نكن له كل الاحترام والتقدير- في اتون معركة، أجبر أن يخوضها دون أن يكون مستعدا أو مهيأ أو حتي راغبا في دخولها من الأساس.
فلا هو قد عرف عنه اهتمام نقابي في يوم من الأيام، ولا سعيه لاقامة علاقات متشعبة مع القواعد الصحفية يحتاج بناؤها إلي سنوات وسنوات من المثابرة والجهد المنظم. وزاد الأمور سوءا، مخالفته لموقف النقابة المعلن من قضية التطبيع مع إسرائيل- وهي مسألة نقدر أنها تحتمل الاختلاف- وساهم في تدهور الموقف أكثر فأكثر انتشار انطباع – قد يكون له ما يبرره- في أوساط الصحفيين، يوحي بأنه قد تم اختياره لفترة انتقالية، يفسح بعدها المجال لعودة النقيب القديم.
وتضافرت العوامل السابقة – وغيرها- في نمو مشاعر الرفض في أوساط أغلب الصحفيين بتوجهاتهم المختلفة سواء كانوا محسوبين علي التيارات «الحنجورية» كما يحلو للتيار الحكومي أن يطلق علي الصحفيين المعارضين والمستقلين أو علي الشريحة العريضة البرجماتية.
صارت المعادلة واضحة:
أن تقول نعم = سقوط ورقة التوت
أن تصوت بلا= أن تثبت أنه لا يمكن أن تصبح مفعولا بك إلي هذه الدرجة.
فكانت المفارقة الفجة.. أن يشهد مبني النقابة الجديد- رمز قمة انجاز نظرية النقيب الجسر- كسر الصحفيين لأول مرة منذ نحو عقدين من الزمان لقواعد اللعبة.
وكانت المفاجأة الدراماتيكية أن يخسر المرشح الحكومي بأصوات 280 صحفيا من مؤسسته، كانت كفيلة لو تحولت له، بسقوط ورقة التوت، إلا أن ضمائرهم قد أبت عليهم ذلك، برغم ما مورس من ضغوط لتغليب النعرات المؤسسية الساذجة علي انتمائهم الأبقي لزملائهم الصحفيين، ليقونا جميعا – حتي ولو لم يدر البعض منا- من الوقوع في شرك عدم القدرة علي مواجهة النفس قبل مواجهة الآخرين.
لم تكن المسألة بالنسبة لقطاع كبير من الصحفيين التصويت لشخص جلال عارف أو ضد شخص منتصر بقدر ما كانت إثباتا لقدرتهم علي الرد بحسم علي كل من تهيئ له نفسه أن باستطاعته التلاعب بمصائرهم كيفما يشاء.
فهل ينجح النقيب ومجلس النقابة الجديد في استثمار هذه اللحظة التاريخية في كسر قواعد اللعبة إلي الأبد؟
هذا ما نتمناه.. وإن كنا ندرك مدي صعوبته أيضا.