كبارينا وكباريهم !

كبارينا وكباريهم !
محمد بكري

محمد بكري

7:14 ص, الأربعاء, 12 أكتوبر 22

فى شطرنج الشعوب تفوز الرقعة بالبقاء! لا الشعب ولا الإدارة أو قواعد اللعبة! الثابت الوحيد هو الأرض، يستخلف الله فيها من يشاء. هذا الشطرنج ذو طبيعة خاصة جدا، فيه الشعب يلاعب الإدارة، المفروض عليها اللعب ليفوز ببقائه هو واستمراره ونموه! ومع ذلك وعند اختيار المواقع، والألوان، والترشيحات، والصفقات، وصفّ القطع وبدء المنازلة.. ينفصل جانب الإدارة عن الشعب مصدر السلطة لإدارة الرقعة، وتبدأ خطط الطرفين فى القيادة والتملص! القانون ومخالفته! التنمية وعرقلتها! المصالح والتصالح! جماعات الضغط وتنفيسه! التحالفات والتقسيمات! ورغم مئات الخطط، يصمم الجانبين على الفوز على حساب الرقعة التى يرصدها آخرون، يدعمون كل جانب من خلف الستار ليبدأ لعبهم الخاص!

ورغم حسم عدد القطع بكل جانب وقوانين اللعبة المعروفة، يُبدع كل طرف فى زمن نقلاته، وتضحياته، وهجومه، ودفاعه. قد تكون الرقعة مصر، أو الخليج، أو أفريقيا، أو أوكرانيا، أو حلف الناتو، أو تايوان، أو إيران، أو تركيا، أو أمريكا ذاتها، فكلما طال زمن اللعب تطورت تقنيات الهجوم وخبث الدفاع ودعم الأعدقاء (الأصدقاء/الأعداء). خلال زمن اللعب تبرع وظيفة (الكباري)! ويخطئ من يظن أن الكوبرى طريق ذو اتجاهين لربط جهات منعزلة! فهناك العديد من الكبارى التاريخية ذات الاتجاه الواحد، التى استخدمت الرقعة مرة واحدة ليفوز طرف على آخر!

عندما قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ﴾ -طه، كان كوبرى طريقا واحدا، عبر به اليهود من أرض هوانهم إلى عالم جديد، أبدع فيه السامرى عجلا له خوار (الجد الأول للكمبيوتر فى إنطاق المادة)، ليحولوا العالم لرقعة جديدة يلعبون عليها حتى الآن! وعندما قال طارق بن زياد (“أيها الناس، أين المفرُّ؟! والبحر من ورائكم والعدوُّ أمامكم، فليس لكم والله! إلاَّ الصدق والصبر،) كان كوبرى طريقا واحدا، غنم فيه المسلمون النصر! وعندما استخدم الجيش المصرى (البراطيم) فى عبور قناة السويس، كانت طريقا واحدا نقل مصر من حال لحال وتكأة للنصر.

وهكذا كثيرا ما تكون كبارى الاتجاه الواحد هى النقلة الإيجابية من حال لحال رغم كُلفة وقسوة ومخاطرة الاتجاه! بخلاف كبارى الاستمرار ثنائية الاتجاه المُبقية لانعزال الجهتين المحتفظة بخصائصهما وطبيعتهما، خاصة أنه لا حياة أو نشاط أو خدمات على الكبارى كوسيلة لانتقال المادة والفكر واختصار الزمن، ومع ذلك تستمر كل جهة بانعزالها وطبيعتها الحسنة أو السيئة!

من أشهر كبارى شطرنج الشعوب؛ الإعلام والدين والثقافة والتعليم – ومؤخرا صناعة المال -، كأساس لمكونات الوعى الجمعى للاعبى الجانبين، ومن أسف فإن أى انتقال للجانبين على الرقعة بهذه الكباري، لا تغير ما بهم لأنهم لا يغيرون ما بأنفسهم! ليكون تطويل الدور ولو بالسخف، هو زمن احتفاظ كل طرف بموقعه على الرقعة لحماية الملك، ولو ضحى بالوزير!

فاستخدام الصين لطريق الحرير ومناوشات تايوان وثقافة التنمية والتعمير الدولى بالدين، ثم تمطى الدب الروسى فى أوكرانيا واستقطاب الإسلام وصفقات كوريا الشمالية وتحالف إيران كوبرى إستراتيجيًا لفرض مكون برقعة النظام العالمى الأجدد، كبارى إسرائيل القديمة مع إيران ثم الخليج والمغرب وقريبا السعودية مكون ثالث، تحالفات صناعات الهند وتركيا والصين وتمويلات الخليج وقطر فى أفريقيا مكون رابع، وهكذا تتوالى كبارى الاتجاهين بين الشعوب وإدارتها، لنقل ما يفيد استمرار بقاء كل جهة منعزلة عن الأخرى ضمانا لاستمرار اللعب!

يستمر الانتقال فى شطرنج الشعوب من المحلية للإقليمية للدولية، بذات منهجية جانب الشعوب وجانب الإدارة! كل منهما مقتنع برؤيته الصالح، وكل منهما ينازل الآخر بذات الرقعة، التى تتمدد أو تتقلص أو تتعقد، ولكنها لا تُمحى أبدا!

النظرة المحدودة لكبارى الأرض، تغفل إخفاءها أسلوبا لحياة جديدة، لاختصار الزمن وفك الزحام وزيادة الإنتاجية وتحجيم أعذار الغياب والتأخير! ومع ذلك فاستمرار الحياة على كبارى الفكر ثنائية الاتجاهين، تعوق التنمية الحقيقية لاستحداث طريق حقيقى للبقاء، يحتاج منهج الاتجاه الواحد للانتقال من السلبية للإيجابية، من القهر للحرية، من الفكر للإبداع، من التجريب للاحتراف، من السيطرة للمشاركة.

ولأن الشطرنج لعبة الملوك؛ فحكمة النقلات قد تدق على العامة، وترصدها الطوابي، ويختبرها الوزراء، ليبقى الملك أقوى قطعة ضعيفة تتعرض للغدر أو الخيانة، اعتمادا على كبارى فاسدة، أو مشوشة، أو مغرضة، أو مأجورة، أو متلاعب بها. كثيرا ما تسببت كبارى شطرنج الشعوب فى تهرؤ الدور، أو فوز الرقعة، أو إحراج الملك، أو انتحار الوزراء، أو سطوة البيادق! ولعل 25 يناير 2011 أبرز دليل على صحة نقلات محافظ البنك المركزي، ووزير التعليم وتحجيم شركة أمان وبيان وزير الخارجية مؤخرا عن سد النهضة بالأمم المتحدة، وغيرها من نقلات تكافح بها الإدارة كبارى الوعى الجمعي، فى دور ساخن جدا على رقعة الشطرنج المصري، الوثيرة، الدسمة، الزاخرة بالعجائب والمكائد والمطامع.

طالما بقيت كبارينا الفكرية ثنائية الاتجاه لذات الجزر المنفصلة، فلا عجب لتوقع ذات النتائج من نفس اللاعبين. أحيانا يكون جسر الاتجاه الواحد هو الطريق الوحيد لإحداث التغيير رغم صعوبته وأوجاعه! فتعدد الملوك والوزراء وختل الأفيال فى سبق الأحصنة على الرقعة، كثيرا ما يقلب الشطرنج لحُكشة! عندها ستسقط كبارينا وتعلن الرقعة موت الجميع، لتبصق كباريهم وتبدأ الدور من جديد!

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]