قرن استثمارات

قرن استثمارات
محمد بكري

محمد بكري

7:57 ص, الأثنين, 11 يناير 21

الدين الإبراهيمى الجديد!

2021 هى بداية العقد الثالث للقرن 21، وبيت العائلة الإبراهيمية سيكون إحدى ركائزه المُلغزة، التى قد تبصم باقى عقوده بختم (قرن الاستثمار الإبراهيمي). فماذا يعنى ذلك؟

للاطلاع فـ google وYoutube يزخران بمعلومات مشروع البيت الإبراهيمى بصورته الحالية، ولكنى أهتم بفهم المقدمات، لتفسير النتائج، وتوقعات المستقبل. حاولت الربط بين مصدر الفكرة وتطورها وتنفيذها ومستقبلها! مما خلصت معه لجواز أن يُبصم القرن بفعاليات الاستثمار الإبراهيمى كمشروع بدأ طيبًا لتوافق دينى، سيسمح باستثمار التقارب، لتحقيق صيغ اقتصادية سياسية جديدة، تذوب فيها الحدود والحقوق على صورة الأصل. والطبقات التالية هى محاولات فهمى لأبعاد ما نُشر فعلًا:

الطبقة الأولى- الباطن- عبقرية دراسة وتطوير الأفكار إلى مشروعات واقعية متدرجة التصميم والتنفيذ والتأثير: بمنتصف التسعينيات درست جامعتا هارفارد وفلوريدا- بالتعاون مع أحد معاهد الأبحاث التابعة لـCIAـ فكرة (الاتحاد الإبراهيمى الفيدرالي) للمصرى السيد نصيرـ قاتل الحاخام مائير كاهاناـ لاستيعاب الصراع العربى الإسرائيلى، بصيغة جديدة للتوافق الدينى بين الأديان الثلاثة، للتعايش بمفاهيم السلام والتسامح، فقدّمها لنائب الرئيس الأمريكى ديك تشينى، كمقترح يحقق المصالح والأمن القومى الأمريكى بالمنطقة.

وقتها خلصت الدراسات الأكاديمية/ السياسية لخطورة الفكرة وإمكانية تجاوزها حل الصراع المُزمن، بترقيتها لتكون حلًّا محوريًّا للتطبيع بأساس دينى يضمن لمشروع سلطوى إدارة واستثمار أراضى وموارد العالم العربى من خلال المراحل الآتية: (أ) توسعة المشروع لضم البلاد العربية وإيران وتركيا فى اتحاد فيدرالى كولايات متحدة إبراهيمية، تتجمع بها الموارد الطبيعية الرئيسية ماء وغاز وبترول. (ب) كسر العداء الديني/ الإسرائيلى، بصيغة توافقية تحقق خريطة إسرائيل الكبرى، بتغيير مسار الحصول على الأرض والموارد بالقوة والسلاح والحروب، إلى الحشد المجتمعى السلمى بإدارة العقول وتحييد الوعى الجمعى من خلال الدين وقبول المنطقة لإبراهيم أبى الأنبياء. (ج) خلق إجماع توافقى من السياسيين والدبلوماسيين وكبار رجال الدين والمفكرين، للتوصل لصيغة توافقية مصدرها الكتب الثلاثة، والخروج بنسق جديد مقبول إجماعيًّا، يكون أعلى من هذه المصادر لتوحيد فهم شعوبهم والخروج بالدستور الإبراهيمى (د) التوصل لوضع المشترك الدينى بالنسق الجديد على الخريطة السياسية؛ بهدف رد الحقوق للشعوب الأصلية/ وإثبات ذلك عبر أبحاث الجينات وتوثيق التراث والوثائق التاريخية. (هـ) ليُستكمل المشروع عمليًّا، بالتحكم المركزى بالموارد لكل دول الاتحاد، من السلطة الفيدرالية برئاسة إسرائيل بالمرتبة الأولى، يليها تركيا بوصفهما المتقدمين تقنيًّا بالمنطقة.

الطبقة الثانيةـ الظاهرـ عبقرية التنفيذ العلوى للمشروع: من خلال مراحل: (أ) إطلاق وهيكلة رقم «ج» السابق، بتأسيس مجلس حكماء المسلمين، صاحب «المؤتمر العالمى للأخوة الإنسانية« الذى أصدر وثيقة «الأخوة الإنسانية، المُستقاة من «عهد المدينة» المنسوب للنبيّ محمد عليه السلام، والموجّه أغلب بنوده لليهود! وتضمين الوثيقة حزمة من مبادئ النوايا الحسنة للسلام والتسامح والتقارب ونبذ العنف… إلخ. (ب) احتضان أبوظبى عاصمة التسامح، لحدث توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية للـ3 أديان، برعاية بابا الفاتيكان الكاثوليكى وشيخ الأزهر السّنِّى، لخلق الإجماع التوافقى من الكبار المؤثرين، لشرعية ومشروعية المشروع، المعاصر للتطبيع العربى الجديد مع إسرائيل. (ج) انطلاق الداعية الإماراتى من أصل أردنى وسيم يوسف ليكون الصوت الإقليمى للمشروع، لمباركة تدشين أبوظبى «البيت الإبراهيمي» بجزيرة السعديات، كصوت الله الذى سيعلو كل الأديان فى سماء أبو ظبى، ودعوته ليكون الكعبة الجديدة للدين الإبراهيمى. (د) محاولات تعميق فعاليات وثيقة الأخوة الإنسانية تدريجيًّا، لدرجة تشجيع الأزهر لمبادرات إدراجها بالمناهج التعليمية وإتاحتها للبحث العلمى، وترحيبه بالبيت الإبراهيمى كإثبات لتنفيذ الوثيقة واقعيًّا.

الطبقة الثالثةـ الفهم أهداف المشروع وارتباطها بإعادة تخطيط المستقبل: مراجعة معلومات المشروع بالإنترنت، تحسم عدة أفكار تحتاج إلى ربط وتفسير لـ: (أ) بناء وثيقة الأخوة الإنسانية على وثيقة قديمة موجّهة ليهود المدينة أساسًا، وتوقيعها من أعلى سلطة دينية كاثوليكية وسُنّيّة، فى غياب السلطة الدينية اليهودية المستفيدة الأصلية منها ومن بيت إبراهيم! (ب) استهداف الوصول إلى دين وطريقة وحكم ودستور إبراهيم، وربط مسار إبراهيم جغرافيًّا بحدود إسرائيل الكبرى التى أضاف لها المشروع تركيا إستراتيجيًّا. (ج) استثمار مباركة التطبيع الدينى، كمنهج عملى مقبول من الكافة، لتمرير مصالح إستراتيجية طويلة اللأجل، مؤسسة على دراسات علمية، تحقق الغاية المحورية للمشروع بتحييد المقدسات بمكة والمدينة وبيت المقدس. (د) تأمين موضوعى، اتفاقى، لبزوغ آمن للدولة اليهودية الكبرى داخل العباءة الإبراهيمية، وتأسيس هوية جغرافية مستحدثة، تدين بولاء جديد، يسمح بخلق أجيال، تتعالى على الأديان الثلاثة باستثمارات الدين الجديد.. لدرجة تفريطهم الرضائى، اقتناعًا بعبقرية شرعية ومشروعية المشروع الأولى.

الطبقة الرابعةـ واقع- 2021 وما سيليها: استعراض واستيعاب كل ما سبق، يشدد المسئولية على الجيل المسلم والمسيحى الحالى للتصدى للبُعد غير المباشر للطبقة الأولى من مشروع البيت الإبراهيمي! فلا خلافَ حول أهمية وجدوى مبادئ التسامح والسلام والتشارك والتنمية، لكن ربط هذه المبادئ بقاطرة دين توليفى جديد، ومحاولات تذويب الفوارق بين فواصل لأغراض إستراتيجية، ستكون نتيجته تحول استثمار الدين الإبراهيمى تدريجيًّا إلى (شريحة روحية) تُزرع بوعى الأجيال الجديدة بالمنطقة لضرب عقائدهم، واستعبادهم زمنيًّا بمظلة روحية جديدة تؤثر على فرصة تواجدهم الحُرّ على أرضهم فى غدٍ مشروط.

تجاهل ذلك أو مسايرته، سيجعلنا بضاعة مُزجاة لقرن الاستثمار الإبراهيمى.. فلا نلومنّ إلا أنفسنا!

[email protected]

* محامى وكاتب مصرى