فكر محمد على باشا(الجزء 3)

فكر محمد على باشا(الجزء 3)
طارق عثمان

طارق عثمان

7:00 ص, الأحد, 10 أبريل 22

المشاكل الأربع

المشكلة الأولى لحكم الباشا كانت رؤيته لأهل البلد الذى سيطر عليه؛ رؤيته للمصريين. كلمات الباشا عنا كانت أحيانًا شديدة، وربما قاسية، وقد كان فيها تأثر كبير بالتراث العثمانى والمملوكى حول قلة الهمة وإن كثُر العمل، وقلة الإقدام، حتى وإن توافرت الأسباب.

لكن الأهم فى تجربة محمد على أنه بإنشائه دولة كاملة فى مصر، وطول حكم هذه الدولة، ثم تطورها لتصبح حكمًا عائليًّا ذا شرعية لا غبار عليها، واستمرار الحكم والشرعية لمائة وخمسين سنة، ترسخت رؤيته لأهل البلد فى أسس الحكم.

الحاصل من ذلك كان أن تبلور اتجاه عام ظهر في- تقريبًا- كل السياسات العامة، على الأقل فى المائة سنة الأولى من حكم عائلة محمد علي؛ وهو أن الوجود المصرى فى الحكم تشغيلى وليس قياديًّا، تنفيذى وليس رياديًّا، وجود العامل وليس المفكر.

هذا يوصلنا للمشكلة الثانية فى حكم محمد علي؛ وهى تثبيت شرعية حكم غير مصرى فى نفس لحظة ولادة أول دولة مصرية منذ قرون عديدة. ذلك أن دولة محمد على كانت (كما ناقشنا فى الجزء السابق من هذه السلسلة) مصرية فى نواحى الشكل- وقد كان هذا تغيرًا جوهريًّا فى أسلوب الحكم بمصر، تغيرًا تنافى مع ما سبقه طيلة مدة حكم الأمويين والعباسيين والفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين، وبالطبع قبل كل هؤلاء الرومان. لكن اختيارات محمد على جعلت شرعية حكمه وعائلته من بعده قائمة على موافقات دولية، بما فى ذلك عثمانية، وليس على أساس شرعية مستمدة من الداخل المصرى. ولعلَّه لافت جدًّا أن محمد على استمد لحظة الشرعية- والقوة- الأولى من ممثلين لفئات من المجتمع المصرى (كما تحدثنا فى الجزء الأول من هذه السلسلة)، لكنه لم يعد إطلاقًا لهذا النوع من البحث عن الشرعية- كما لم يعد إليه أى من حكام أسرة محمد على.

المشكلة الثالثة أن إدارة الدولة تطورت فى فترة حكم محمد على الطويلة، من حكم فرد بمساعدة مجموعة صغيرة، إلى حكم تشاركى بين محمد على وابنه الأكبر إبراهيم باشا، إلى دولة؛ على رأسها الباشا وابنه، وفيها مجموعات (ذات كفاءات ممتازة) فى أغلب مجالات التقدم الاقتصادى والعسكرى. لكن فى كل تلك المراحل؛ ليس فقط سيطر الجانب التركى والشركسى والأوروبى (كما أسلفنا فى الحلقة السابقة)، ولكن ترسخ الانطباع- وقد كان مبنيًّا على حقائق- بأن على المصريين التشبه بالأتراك والأوروبيين لكى يرتفعوا فى تلك الدولة الوليدة.

المشكلة الرابعة كانت النتيجة الثقافية لذلك؛ وهى أن الدولة الوليدة- مصر فى أغلب القرن التاسع عشر- كانت فى الحقيقة دولتين؛ دولة القمة، وهى دولة السياسة والاقتصاد الذى يتطور، والتفتح الاجتماعى والتغيرات المهولة فى المعمار (وهو دائمًا بوابة لتغيرات كبرى فى المجتمع)، ودولة أخرى متلقية لكل ذلك، وفى الغالبية الساحقة من الحالات، دون حق الاعتراض أو النقاش، ما بالك بالرفض. الدولة الأولى، على القمة، كانت مصرية بالاسم. الثانية- البعيدة عن مراكز القرار- كانت مصرية بالتراث.

مات الباشا وهو شبه منعزل فى الإسكندرية. ولا شك أن التركة (كما نقول بالعامية المصرية) التى تركها كانت عظيمة. هذا الرجل أخذ مصر ولاية عثمانية ضعيفة، تعرضت لصدمة حملة نابليون وخرجت منها فى حالة دوار. محمد على وجّه الرأس نحو اتجاه معين. قدَّم حلولًا للمشاكل التى أحدثت الدوار- خاصة، قدم حلًّا لسؤال لماذا نحن متأخرون جدًّا بينما هؤلاء فى الغرب متقدمون جدًّا. محمد على بدَّل الضعف قوة من خلال بناء أسس دولة حديثة. وقبل وبعد كل ذلك، محمد على قدَّم مثالًا نادرًا فى التاريخ المصرى لقائدٍ لديه رؤية واسعة، طموح كبير، إرادة حديدية، وقدرة على إدارة التنفيذ بشكل جادّ مستنير ارتفع عن الجهل الذى رآه سائدًا.

لكن مع تحريك الرأس نحو اتجاه معين، بقى الجسد متصلبًا فى اتجاه آخر. مع إجابة السؤال عن التأخر خرجت أسئلة أكبر عن أُسس الثقافة السائدة. ومع المثال النادر للقائد تولدت مشكلة أن كل ما اختاره القائد وكل من أحاط نفسه بهم كانوا من غير النسيج التراثى الذى ظهر فيه هذا القائد، هذا المثال.

تلك التناقضات استمرت مع أحفاد الباشا، أحيانًا واصلة إلى عقد، وأحيانًا منفرجة إلى حلول. ولعل تجربة إبراهيم باشا؛ ابن محمد على، فى بناء الجيش المصرى الحديث مثال هام للتناقضات والعقد والحلول، كما سنرى فى المقال القادم.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن