فرنسا لم تقل كلمتها بعد

فرنسا لم تقل كلمتها بعد
طارق عثمان

طارق عثمان

6:57 ص, الأحد, 24 أكتوبر 21

كتاب (فرنسا لم تقل كلمتها بعد) باع أكثر من ربع مليون نسخة فى أسابيع قليلة. كاتبه إريك زمور، يجول البلد محاضرًا ومناقشًا، لكن ليس كمجرد صاحب رأى فى الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية هناك، ولكن كصاحب مشروع تغييرى.

زمور هو أقوى مرشح من اليمين الفرنسى لانتخابات الرئاسة فى ربيع 2022، مع الفارق أن الرجل حتى الآن يصر على أنه لم يحسم أمره بعد بخصوص الترشيح. لكن من الصعب تصور أنه لن يترشح. حيثما يذهب هناك الآلاف الذين يأتون لسماعه، بعضهم من مناطق تبعد مئات الكيلومترات. وحيثما يتحدث، هناك حالة من الإعجاب والإنصات. اللافت هنا هو هذا الإنصات. زمور لا يحاول تقديم نفسه بشكل لافت، أو بصورة تثير الإعجاب، كما هى الحال مع الغالبية الساحقة من السياسيين. الرجل يقدم فكرًا بأسلوب يريد الوصول إلى عقل ووجدان المستمع.

الوصول إلى الوجدان معناه ليس مجرد التصويت فى انتخابات، بل الاقتناع بضرورة مساندة سياسات معينة فى الداخل، بضرورة رفض الأجندة السياسية لليسار والوسط، والتى يراها حكمت فرنسا للعقود الأربعة الماضية على الأقل، وبضرورة مشاركته فى المشروع التغييرى الذى يقدمه.

كثيرون فى فرنسا ومن مراقبيها يشبهون زمور بدونالد ترامب. لكن ذلك خطأ كبير؛ لأن الفروقات مهولة؛ ليس فقط من ناحية الأسلوب الشخصى والأفكار وطريقة التعامل مع الآخرين؛ خاصة المنافسين، ولكن الأهم لأن زمور رجل جاد، ورجل يأخذه الآخرون بجدية.

وهنا الخوف الشديد من إريك زمور؛ لأنه ليس مجرد تعبير عن غضب- وخوف- مجموعات واسعة من الناخبين، ولكن بلا هدف سوى الوصول إلى السلطة، وتحويلها إلى أداة فى يد رجل سطحى هش العقل وقليل العمق.. على العكس، زمور يجسد فكرًا جادًّا يريد تغيير نوع السلطة الحاكمة فى فرنسا.

الرجل بعيد جدًّا عن فكرة الوحدة الأوروبية، بعيد عن الليبرالية الاقتصادية الأمريكية- البريطانية، كما هو بعيد عن اشتراكية اليسار الفرنسى. لديه مشكلات كبيرة مع الأفكار التى تُسمى تقدمية حول فكرة العائلة، حول التعليم، حول الدين- بمعنى أنه قريب من الأفكار المحافظة للأحزاب اليمينية فى الغرب. زمور عنده مشكلات كبرى مع المهاجرين فى فرنسا، وهو فى نظر كثيرين عنصريٌّ، ولكن المهم أن سردياته حول المهاجرين لا تدور حولهم بقدر ما تدور حول فرنسا التى يتصورها- أو يريدها- ملايين الفرنسيين. وهى ليست بالضرورة فرنسا بيضاء خالية من المهاجرين بقدر ما هى فرنسا مختلفة جدًّا- وأكبر كثيرًا- من الوضع التى هى عليه الآن.

ولعل هنا مربط الفرس.. فرنسا فى الوجدان الفرنسى دولة عظيمة، كبيرة، سيدة شديدة الجمال والجاذبية ليس لها مثيل فى محيطها، سائرة بهدوء وثقة نحو أمجاد متتالية، ومعها وحولها أبناؤها وبناتها ممتلئة راحة إلى حاضرهم واطمئنانًا إلى مستقبلهم.. لكن الحاضر مختلف تمامًا عن تلك الصورة؛ ليس فقط بسبب المشروع الوحدوى للاتحاد الأوروبى (الذى قادته فرنسا لعقود)، ليس فقط بسبب الاختلافات التى فرضتها الهجرة على فكرة التعددية الثقافية داخل فرنسا، ليس فقط بسبب الأجندة التى تسمى تقدمية حول العديد من الشئون الاجتماعية، وليس فقط بسبب تراجع أوروبا الشديد إستراتيجيًّا، مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية والصين وحتى روسيا- ولكن مع كل ذلك لأن الأوضاع الاقتصادية فى العالم- وخاصة صعود آسيا- تغير ببطء، ولكن بلا رجعة، الأوضاع الاجتماعية فى كل أوروبا، وفى فرنسا خاصة.

خاصية فرنسا هنا نابعة من أن فرنسا لا تملك قوة ألمانيا الاقتصادية ولا مميزات بريطانيا كأهم جاذب للمواهب وللعقول وللمال خارج أمريكا. كما أن فرنسا تعودت على أساليب حياة شديدة الراحة (والجمال)، على عكس ألمانيا التى تعمل بلا توقف، وبريطانيا (خاصة إنجلترا) ذات الأسلوب الأنجلوساكسونى الصارم.

وسط وبسبب كل ذلك، فرنسا قلقة. وهناك كثيرون يرون أن من قدموا أنفسهم لقيادة فرنسا فى العقدين الماضيين قاموا ببعض التغييرات ولكنهم لم يغيروا فى المعادلة الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية التى حكمت فرنسا فى تلك الفترة. زمور يقدم نفسه كصاحب مشروع تغييرى كامل. والغالب أن هذا المشروع سيكون على بطاقة الانتخابات الرئاسية الفرنسية فى الربيع المقبل.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن