عن نبيل فاروق وحاتم على

عن نبيل فاروق وحاتم على
طارق عثمان

طارق عثمان

8:32 ص, الأحد, 3 يناير 21

فى الظاهر ليس هناك نقاط تقارب.. الأول مؤلف روايات للمراهقين والشباب، دارت أغلبها فى عوالم المخابرات والخيال العلمى والثانى مخرج تليفزيونى قدم مسلسلات، أغلبها تاريخى ، لكن هناك ثلاث نقاط تقارب.

الأولى: أن الاثنين فتحا أبوابًا جديدة فى عالميهما؛ نبيل فاروق أخذ روايات الجيب فى العالم العربى إلى دنيا جديدة. الرجل وسّع من نطاق تلك الروايات، من حيث الموضوعات، أطر القصص، الحجم، وأيضًا من حيث اللغة. ذلك أنه أدرك بذكاء أن اللغة العربية المقروءة كانت فى نهايات الثمانينيات وطيلة التسعينيات فى حالة تغير مع دخول القنوات الفضائية ثم الإنترنت. فكتب بلغة فصحى لكن فيها حداثة متصلة بالثقافة السمعية والبصرية التى كانت وقتها جديدة.. كما أن د. نبيل (كما كان يحلو لقرائه مناداته) كان أيضًا ذكيًّا فى تطوير موضوعات رواياته، فكانت على صلة بموضات ظهرت فى تلك الفترة فى الثقافة الجمعية فى الغرب ووجدت طريقها سريعًا إلى العالم العربى.. ولعل قمة ذكائه كانت فى تطوير حبكات قصصه لتواكب النمو العمرى والفكرى للجيل الذى بدأ يقرؤه وهو بعدُ فى أوائل المراهقة، والذى أراد د. نبيل أن يبقيه معه وهم فى منتصف ونهايات العشرينات.

حاتم على فعل شيئًا شبيهًا فى عالم المسلسلات التاريخية. الرجل جاء بقراءات جادة وانتقى منها مشاهد مثيرة ومفيدة لفهم الصورة العامة للحقبة التاريخية التى اهتم بها. ثم قدم تلك المشاهد بأسلوب بصرى كان وقتها جديدًا على المشاهد العربى. وكان ذكاؤه فى نقل أساليب تصوير سينمائية إلى شاشة التليفزيون. كما كان شجاعًا فى الرهان على ممثلين كانوا وقتها شبابًا غير معروفين. وفى ذلك ثقة المخرج الناجح، الذى هو فى النهاية صاحب الإمضاء على أعماله.. لذلك جاءت مسلسلات حاتم على ذات نكهة خاصة. وكما كانت الحال مع صديقنا د. نبيل، طور حاتم على من حبكاته، فنرى فى مسلسلاته الأخيرة وزنًا أكبر (مما كان فى أعماله الأولى) للمشاعر والمعانى البشرية العميقة.

النقطة الثانية: أن الاثنين ركزا على شخصيات وليس أحداثًا، وهذه تفصيلة مثيرة للاهتمام. نبيل فاروق خلق شخصية أدهم صبرى، وهو أقرب ما يكون إلى چيمس بوند، بأخلاقيات الطبقة الوسطى المصرية فى الثمانينيات والتسعينيات. وفى نفس السلسلة، خلق د. نبيل شخصيات أخرى تنتمى إلى ثقافات بعيدة. كما قدم الرجل عددًا من الشخصيات الأخرى فى سلاسله المختلفة. ولا شك أن تلك الشخصيات أقل عمقًا من شخصيات قُدّمت فى أدب عالمى من نفس النوع– مثلًا فى أعمال جون لوكاريه. لكن بالرغم من ذلك، الرجل وصل إلى هدفه– وقد كان غرْس تلك الشخصيات، وخاصة المصرية منها، فى وجدان الجيل الذى كتب له.. الرسالة كان فيها ما يوصف بالتوعية، وهذا نوع فقَد بريقه فى الثلاثين عامًا الماضية. لكن أيضًا بالرغم من ذلك، نبيل فاروق نجح فيما أراد. وبقيت شخصياته الرئيسية فى وجدان الجيل الذى خاطبه.

حاتم على أيضًا ركز على شخصيات محددة في كل مسلسلاته تقريبًا. وهنا أيضًا يمكن القول إن الغوص فى الشخصيات كان محدودًا إذا ما قُورن بأعمال تليفزيونية عالمية سردت سيرًا تاريخية. لكن بالرغم من ذلك، وصل حاتم على إلى بغيته، وأوصل الشخصيات التى اختارها إلى وجدان ملايين من المشاهدين الذين تابعوا أعماله. فكانت اللمحة التاريخية من خلال شخصيات فهمها المشاهدون (من خلال وجهة نظر حاتم علي)، بأكثر من فهم الحقبة التاريخية التى دارت فيها الأحداث.. وتلك مقاربة مفهومة، ولها احترامها، وربما أكثر وصولًا إلى عقل غالبية الناس.

النقطة الثالثة: هى أثر الرائد. ربما تكون روايات

الجيب التى كتبها نبيل فاروق هى الأكثر مبيعًا من ذلك النوع من الكتابات فى العالم العربى فى الثلاثين عامًا الماضية. وربما لا تكون– وتكون قد سبقتها مبيعات روايات أحمد خالد توفيق (وهو الكاتب غالبًا الأبقى من بين كل كُتاب ذلك النوع من الروايات). لكن نبيل فاروق سيبقى صاحب السبق– الرائد الذى كان له جرأة الخوض فى ذلك النوع من الروايات، التى لا شك كان (وأحيانا لا يزال) يُنظر لها باستخفاف. لكن تلك الروايات، على- وربما بسبب- بساطتها، كانت مجال القراءة الوحيد لملايين من الشباب، خاصة فى مجتمع كان ولا يزال قليل القراءة بشكل باعث على الحزن. حاتم على كان أيضًا الرائد الأهم فى مجاله. وكانت أعماله التاريخية الأولى الباب الذى دخلت منه، فى العقدين الماضيين، عشرات المسلسلات عن مشاهد مختلفة من التاريخ العربى. ولعل هناك من يرون فى الكثير من تلك المسلسلات التى أنتِجت فى تلك الفترة مجرد حكايات، بعضها تبسيط– وأحيانًا تزوير- للتاريخ- وذلك صحيح.. لكن يبقى لحاتم على فضل السبق فى إحداث تجديد كامل فى نوع من أنواع الدراما التليفزيونية- والرجل لا شك ليس مسئولًا عما جاء بعده.. والأهم أنه فى عالم عربى، للأسف لا يقرأ إلا أقل القليل، فإن الحكاية، إن كانت صادقة وجذابة، تكون دائمًا باب معرفة. * كاتب مصرى مقيم فى لندن