نواصل مشوارنا مع تحليل الأنظمة المؤدلجة وفقاً لمفكر فرنسى كبير، وكيف يمكن الحوار معها.
يلاحظ أولاً أن الكاتب يستخدم لفظ «النظام الشمولى» لأنه المصطلح الدارج٬ ولكنه يقر بأن الأدق هو مفهوم النظام المؤدلج أو الأيديولوجى، لأن الشمولية بنت ونتيجة الأيديولوجية٬ولا سيما إن كانت إقامة حكم شمولى هدفاً مقصوداً منذ أول لحظة٬ الأيديولوجية تستوجب وتؤسس الشمولية وهى سبب وجود مثل هذا النظام٬ ونقول ثانياً إن الكاتب يرى ضرورة التمييز بين تلك الأنظمة والأنظمة الاستبدادية الساعية إلى تحديث المجتمع.
يقول المفكر إنه لا يمكن القول إن النظام المؤدلج يسعى إلى تحقيق الصالح العام بالمعنى المتعارف عليه٬ ولا أنه يسعى إلى تحقيق المصالح الفردية للحاكم ونخبة الحكم، فلا الصالح العام بالمفهوم المتعارف عليه، ولا المصلحة الخاصة للحاكم، محور اهتمامه. ما يهمه هو مصلحة الأيديولوجيا والتنظيم الذى يتبناها، أى أن قادة النظام المؤدلج يستهدفون ما يرونه صالحاً عاماً، لكن تصورهم شاذ أو على الأقل خاص بهم دون غيرهم. لا نقصد طبعاً أن كلهم طاهر٬ ولكن الفساد ليس عماد حكمهم.
وعلى عكس الأنظمة السلطوية والاستبدادية التقليدية٬ لا مصلحة للنظام المؤدلج فى الحفاظ على الاستقرار المطلق أو النسبى ما دام لم يتحقق الواقع الذى تنبأت به الأيديولوجيا، وما دام لم تتم »إعادة بناء الإنسان» والطبيعة البشرية وفقاً لمفاهيمها.
الفارق بين النظام المؤدلج والأنظمة الاستبدادية الساعية إلى تحديث المجتمع يكمن فى الخطاب٬ النظام المؤدلج يزعم أن التاريخ ولد من جديد مع وصوله إلى السلطة٬ وأنه انتقل من مرحلة التاريخ العادى إلى مرحلة التاريخ المقدس٬ وأن المجتمع أصبح بين ليلة وضحاها جنة الله على الأرض وينكر وجود صعوبات أو مشكلات، وإن اعترف بها فهى من فعل عملاء الشيطان٬ ويجمع بين نقيضين٬ يدعى الكمال ويفرض التغيير والتدمير الدائمين. ويمارس إرهاباً من نوع جديد٬ لأنه يستهدف الحريات الخاصة والعامة ويطول الخصوم وأبناء النظام على حد سواء. والخطاب قائم على كذب من نوع جديد يغير معانى المصطلحات والكلمات باستمرار ويفرض ألفاظاً جديدة لا معنى لها ومنطقا يخالف كل منطق، فهدفه ليس منع النشاط السياسى المعارض فحسب٬ بل تغيير السلوك ومنع التفكير، وكونه يفشل دائماً فى تحقيق هذا لا يمنعنا من القول إن هذا هدفه وشروط نجاحه… على الأقل فى مراحله الأولى.
وفى وصف علاقة الأيديولوجيا والنظام المؤدلج بالمجتمع يلجأ كاتبنا إلى كتاب دون كيخوت٬ ففى واقعةٍ ما يقابل دون كيخوت طاحونة هواء مقامة فى وسط نهر٬ ويقول… أخيراً وجدت المدينة التى تحتجز فيها الأميرة٬ فيقول له تابعه هذه ليست مدينة بل طاحونة هواء فيوبخه كيخوت قائلاً ألا تعلم يا ابنى أن الساحرات قادرات على تغيير الأشكال٬ قلت لك أن هذه مدينة وبها أميرة محتجزة٬ عليك أن ترى ما أراه٬ ويقول أستاذنا إن كيخوت هو النظام المؤدلج٬ والطاحونة هى المجتمع٬ والمدينة التى يتم فيها احتجاز الأميرة المجتمع كما يراه المؤدلج٬ النظام مصّر على التعامل مع الطاحونة على أنها مدينة فيها أميرة محتجزة٬ ويعجز عن تغيير طبيعة الطاحونة٬ ويكتفى بشلها أو تدميرها٬ ويعجز طبعاً عن العثور على الأميرة٬ والطاحونة تحاول أن تأخذ النظام «على قد عقله» كما نقول فى العامية، وأن تستمر فى تأدية وظيفتها بطريقة مستترة رغم تعطيل المؤدلجين لها. والخلاصة٬ إما النظام يتسبب فى تدمير المجتمع٬ وإما ينجح المجتمع فى التعامل مع النظام على أنه مخبول وضيف ثقيل يجب التعايش معه، وهذا يستوجب قبول تمثيل دور المدينة التى يحتجز بها أميرة٬ وإما يصلح النظام نفسه.
- أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية