عرف علم الجيولوجيا طبقات الأرض الثلاثة، من القشرة الأرضية، يليها الوشاح (العلوى والسفلى)، ثم اللُب (الخارجى والداخلى)، تعبيرا عن تقسيم طبقات بنية الأرض، طبقا للعلاقة بين المادة والزمن والضغط، فى تفعيل تركيبها.
وعرف علم اليوجا طبقات العقل بتقسيم وظائفه من الطبقة الأولى بعلاقة الفكر بالحواس الخمسة وبخاصة الإحساس والرغبة والفعل، حيث الأخلاق دفة حياتنا، فتكون علاقة ذات قيمة وأهداف حقيقية تقود رحلتنا على الأرض. ثم الطبقة الثانية فى التفكير والتذكر والاختبار، لأى شيء يمر عبر الحواس الخمسة ويدخل مرحلة التجربة والتقييم. ثم ثالثا، طبقة المخزن أو المكتبة التى يحتفظ فيها العقل بتجاربه وذكرياته من الطبقة الثانية، لتأتى الطبقة الرابعة من التمييز وعدم التعلق لاتخاذ القرارات السديدة بدون تأثر بالخوف أو المصلحة، لتأتى “الأنا” كطبقة أخيرة أو ما يعرف بحافة العقل. فإذا قلنا أن الطبقات الأولى والثانية هى قشرة الإنسان، فالطبقة الثالثة هى الوشاح، لتأتى الطبقتين الرابعة والخامسة لتكون لُب العقل ومصدر جاذبية صاحبه.
من مفهوم تكوين طبقات الأرض والعقل، نلحظ أن تشكيل الإنسان فى سنواته الأولى قبل تشكيل طبقاته العقلية، يتحكم فيه البايولوجيا والتاريخ والثقافة والجغرافيا، ومن خلال ذلك يصهره مجتمعه ليشكله كصاروخ أو حذاء!، ومن هنا كان المجتمع (ككائن غير مادى) له اليد الطولى فى ترسيم حدود رغابتنا ومصالحنا وعدائنا، لتقوم عقولنا بتكريس طبقاتها السطحية للتفاعل مع فروض المجتمع، لينبت وعى جمعى صالحاً أو طالحاً أو فاسداً.
غير أننا فى خضم صراع الحياة، نغفل عن فهم طبقاتنا ونقف على سطح القشرة الأرضية ونكتفى بطبقة الحواس الخمسة، فلا يهتم التفكير والتجارب إلا بدفع الخوف وجنى المصلحة! من هنا كانت أغلب قرارتنا هشة، غير مسنودة، ليسهل التلاعب بعقولنا وتوجيهها، فتذبل طبقات العقل الحقيقية وتنحصر فى ممارسات ما شكله المجتمع، والأسر لما تأصل فى جيناتنا وتاريخنا وثقافتنا والمكان الذى يستضيف وجودنا.
تطويرا للفكرة، أرى أن طبقات الأرض والعقل، تتجاوزهما إلى جواز رصدهم فى (أشخاص) الدولة والشركة والمشروع! فشخص الدولة له كيان وعقل وإرادة وطبقات لصنع القرار وتنفيذه، كذلك الحال فى الشركات بداية من القابضة إلى شركة الشخص الواحد. وبقدر استيعاب الشخص المعنوى لعلاقة الزمن والمادة والضغوط عليه، لتشكيل طبقاته، بقدر ما كانت رؤيته واقعية وقراراتها مُركزة ومنصفة.
العديد من الأشخاص المعنوية يركزون وجودهم فى علاقة رأس المال بالربح والخسارة، بغض النظر عن آثارها المجتمعية أو البيئية أو الإنسانية، ويحصر نفسه داخل رأس المال كموارد مالية، ويجعله طبقة واحدة كالقشرة الأرضية أو كعلاقة الفكر الربحى بحواس المنشأة التى تتلقف الصفقات وترى الفرصة وتقتل المنافسة. ورغم تطور صور رأس المال إلى رأس المال الاجتماعى والفكرى، إلا أننا مازلنا نسجن أنفسنا فى مفاهيم الربح والخسارة المادية البحتة، رغم فرض مفهوم التنمية المستدامة لوجودها مع المسؤولية الاجتماعية للشركات.
فإذا كانت الموارد المالية هى القشرة الخارجية لرأس مال الشخص المعنوى، إلاَّ أن (رأس المال الفكرى) هو الوشاح الذى يليه ويُبنى عليه، ليأتى (رأس المال الاجتماعى) كلُب يجذب أو يدمر القشرة الخارجية بزلازل العلاقات والأخلاق والقيم فى كل شخص معنوى عقلا ماديا ذو تأثير معنوى، بطبقات يفترضها وجوده ويُشكل مستقبله ادارتها بحكمة.
وفى طبقات عقل رأس المال الفكرى نجد؛ رأس المال الهيكلى (النظم، قواعد البيانات، حقوق الملكية الفكرية)، رأس المال البشرى (الخبرات، المهارة، التعليم، التدريب). ونجد فى طبقات عقل رأس المال الاجتماعى (العلاقات الترابطية بين المجموعات، العلاقات الجسرية مع الأصدقاء البعيدين وزملاء العمل، والعلاقات التواصلية بين الأفراد والمجموعات فى مختلف الطبقات الاجتماعية من حيث توزيع القوة والمستوى والملكية).
غير أن العلاقة بين طبقات عقل الإنسان وعقل الشخص المعنوى، أجدها فى غاية الخطورة! إذ قد تصاب بالفصام أو الانفصال، ومن هنا مهم جدا وعى الإنسان بطبقات عقله الداخلية، وطبقات عقل الكيان الذى يعمل أو يعيش فيه سواء كان شركة أو مشروع أو دولة.
المشكلة تظهر عند تمسك الطرفين بالقشرة الأرضية والطبقة الأولى من العقل! فيتجاهلا حرج تأثير راس المال الاجتماعى على علاقتهما، وتحجيم راس المال الفكرى الابداعى كدينامو لنجاح وجودهما معا.
تتعمق المشكلة عندما يكتفى الإنسان بطبقات عقله النفسية، ولا يدمجها بطبقات العقل الرأس مالى والفكرى والاجتماعى، ليخرج منهم بتكوين ثروته الخاصة لتمكنه من الحياة والصراع والبقاء، كما لو عامل كل انسان طبقات عقله كشخص معنوى، له مواردا مالية، ويكتشف راس ماله الفكرى ويستثمر فى راس ماله الاجتماعى، ليضيف لطبقات عقله مزيدا من الثراء، الذى يمكنه من تحويل نفسه لمؤسسة ولو صغيرة، لها مواردا واهدافا وقيما وافكارا وعلاقات، تمكنه من التواصل مع الآخرين بأمان أو نجاح. وهو ما سيكون له اثرا خطيرا فى تنمية الوعى الجمعى وتصحيحه تدريجيا.
علميا، اُثبت ان جسم الإنسان يحتوى عناصر تكوين الأرض ويتطور علم الفارماكولجى بذلك، غير انه لا يعى طبقات عقله إلا إجمالاً، بدون تنبه لميكانزم وظائفه الخمسة وبخاصة الأخلاق والتركيز وصنع القرار.
أفضل ما يستحدثه الإنسان فى حياته أن يصممها كمشروع أو دولة الشخص الواحد! فيحصر موارده ويشحذ فكره، ويستنطق ابداعه، ويستثمر فى علاقاته، فإذا وعى وأضاف لطبقاته وعى عقل الشخص المعنوى، لأمكن على المدى وبالتدريب، استحداث عقولاً جديدة بطبقات مُركبة، صاغتها ضغوط الحاجة للحياة وزمن سريع وطبقات تنضج، لتلائم تحديات قائمة وستزيد حدة فى السنوات القادمة.
* محامى وكاتب مصرى