«صوت أمريكا» يتوقف لأول مرة منذ 83 عاما.. قيود ترامب على وسائل الإعلام المستقلة تهديد للصحافة

"حرية الصحافة في خطر"

«صوت أمريكا» يتوقف لأول مرة منذ 83 عاما.. قيود ترامب على وسائل الإعلام المستقلة تهديد للصحافة
عبد الحميد الطحاوي

عبد الحميد الطحاوي

1:56 م, الأحد, 16 مارس 25

تعرضت هيئة البث الأمريكية “صوت أمريكا” (VOA) لصدمة كبيرة، حيث تم وضع أكثر من 1300 موظف في إجازة إدارية، كما تم إنهاء تمويل خدمات إخبارية أمريكية تبث إلى دول تخضع لأنظمة سلطوية، وذلك بعد يوم واحد فقط من إصدار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أوامر بتقليص حجم الوكالة الأم المشرفة على “صوت أمريكا” إلى الحد الأدنى، إلى جانب ست وكالات حكومية أخرى.

“صوت أمريكا” يتوقف لأول مرة منذ 83 عامًا
أعلن مايكل أبراموفيتز، مدير “صوت أمريكا”، أن الشبكة الإعلامية التي تبث بـ50 لغة حول العالم أصيبت بالشلل التام بعد تعليق عمل معظم موظفيها، البالغ عددهم 1300 صحفي ومنتج ومساعد. وأعرب أبراموفيتز عن حزنه العميق لما وصفه بـ”إسكات صوت أمريكا لأول مرة منذ 83 عامًا”، مؤكدًا أن القناة لعبت دورًا محوريًا في “النضال من أجل الحرية والديمقراطية في جميع أنحاء العالم”.

وتشمل القرارات الصادرة عن وكالة الإعلام الأمريكية العالمية (USAGM)، وهي الوكالة الأم لـ VOA، وقف التمويل لكل من “راديو أوروبا الحرة/راديو ليبرتي” الذي يبث إلى أوروبا الشرقية، بما في ذلك روسيا وأوكرانيا، و”راديو آسيا الحرة” الذي يبث إلى الصين وكوريا الشمالية. ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها ضربة قاسية لواحدة من أبرز وسائل الإعلام المستقلة التي توفر أخبارًا موثوقة في الدول ذات الأنظمة السلطوية، وفقا لرويترز

منذ تأسيسها عام 1942، كُلفت “صوت أمريكا” بالتصدي للدعاية النازية، وهي تصل حاليًا إلى 360 مليون شخص أسبوعيًا. وتوظف الوكالة الأم USAGM حوالي 3500 موظف بميزانية تبلغ 886 مليون دولار لعام 2024، وفقًا لتقريرها الأخير إلى الكونغرس.

في أعقاب تنفيذ الأوامر الرئاسية، أفاد ويليام غالو، رئيس مكتب “صوت أمريكا” في سيول، بأنه مُنع من الدخول إلى أنظمة الشركة وحساباته، معلقًا عبر منصة “بلوسكاي” قائلاً: “كل ما أردته هو تقديم الأخبار بصدق وموضوعية، بغض النظر عن الحكومة التي أغطي أخبارها. إذا كان ذلك يشكل تهديدًا لأي جهة، فليكن”.

انتقادات حادة ودعم من إدارة ترامب
في المقابل، دافعت كاري ليك، المذيعة السابقة والحليفة المقربة من ترامب، والتي تم ترشيحها لمنصب مديرة “صوت أمريكا”، عن هذه القرارات، ووصفت وكالة USAGM بأنها “عبء على دافعي الضرائب الأمريكيين”، مضيفةً أنها “غير قابلة للإصلاح”. وأكدت ليك أنها تعتزم تقليص حجم الوكالة إلى الحد الأدنى الممكن قانونيًا.

وعلى الجانب الآخر، أثار القرار انتقادات واسعة، حيث وصف وزير الخارجية التشيكي، يان ليبابسكي، “راديو أوروبا الحرة” بأنه كان بمثابة “منارة للأمل” للعديد من الشعوب التي تعيش تحت أنظمة قمعية، مشيرًا إلى أن “صوت أمريكا” و”راديو أوروبا الحرة” يمثلان أحد المصادر الإعلامية القليلة التي توفر أخبارًا حرة لسكان الدول غير الديمقراطية.

حرية الصحافة في خطر
أثار إغلاق وتمويل “صوت أمريكا” قلق المدافعين عن حرية الصحافة. فقد صرح مايك بالسامو، رئيس “نادي الصحافة الوطني” في واشنطن، بأن هذه الخطوة تقوض التزام الولايات المتحدة بحرية الصحافة المستقلة، مضيفًا: “لعقود، قدمت ‘صوت أمريكا’ صحافة مستقلة قائمة على الحقائق لملايين المستمعين حول العالم، وغالبًا في أماكن تفتقر إلى حرية الصحافة”.

وانضمت منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى قائمة المنتقدين، ووصفت القرار بأنه “تهديد لحرية الصحافة في جميع أنحاء العالم، وإلغاء لـ80 عامًا من التاريخ الأمريكي في دعم تدفق المعلومات الحر”.

من جهتها، اعتبرت باي فانغ، رئيسة “راديو آسيا الحرة”، أن وقف تمويل الشبكة يمثل “هدية للديكتاتوريين والمستبدين، بما في ذلك الحزب الشيوعي الصيني، الذين يريدون أن يظل تأثيرهم بلا رقابة”.


يأتي هذا القرار في سياق حملة أوسع يقودها الرئيس ترامب والملياردير إيلون ماسك، الذي يقود “إدارة كفاءة الحكومة” (DOGE)، لتقليص حجم الحكومة الفيدرالية. وقد أدت هذه الجهود حتى الآن إلى خفض أكثر من 100 ألف وظيفة في صفوف الموظفين المدنيين البالغ عددهم 2.3 مليون، بالإضافة إلى تجميد المساعدات الخارجية وإلغاء آلاف البرامج والعقود.

وفي تعليق ساخر على خفض تمويل وكالة الإعلام الأمريكية العالمية، قال ماسك على منصة “إكس”: “أثناء إنهاء عمل هذه الوكالة الحكومية العالمية للبروباغندا، تم تغيير اسمها مؤقتًا إلى ‘إدارة الدعاية في كل مكان’ (DOPE)”.

بالإضافة إلى USAGM، استهدفت الأوامر الرئاسية وكالات أخرى، مثل “خدمة الوساطة الفيدرالية”، و”مركز وودرو ويلسون الدولي للعلماء”، و”معهد خدمات المتاحف والمكتبات”، و”المجلس الأمريكي المشترك للتشرد”، وصندوق تطوير المؤسسات المالية المجتمعية، ووكالة تطوير الأعمال للأقليات، بهدف تقليص عملياتها إلى الحد الأدنى الذي يفرضه القانون.

وفي بيان رسمي، دافعت البيت الأبيض عن هذه القرارات، قائلة إنها تهدف إلى “ضمان عدم تحميل دافعي الضرائب أعباء تمويل دعاية راديكالية”، مشيرة إلى مزاعم بانحياز “صوت أمريكا” إلى اليسار في تغطياتها الإخبارية.


مع تعليق عمل “صوت أمريكا” وإغلاق بعض منافذها الإعلامية، يبقى السؤال مفتوحًا حول مستقبل وسائل الإعلام الحكومية الأمريكية في ظل سياسات تقليص الحكومة. وبينما يرى البعض أن هذه الإجراءات ضرورية لتخفيض النفقات الحكومية، يحذر آخرون من أن هذه القرارات قد تقوض قدرة الولايات المتحدة على نشر أخبار موضوعية ومستقلة في مناطق تعاني من القمع الإعلامي.