«ش» شكوكو «ش» شامبليون!

«ش» شكوكو «ش» شامبليون!
محمد بكري

محمد بكري

8:44 ص, الخميس, 11 مايو 23

بداية؛ لا علاقة للعنوان بأى سخرية، أو امتهان لأى اسم، أو تاريخ، أو بلد! ولكنها فكرة خارج الصندوق لتأصيل فهم وبلورة أزمة تمثال شامبليون وهو يدعس بحذائه رأس رمسيس الثاني، للنحات أوجست بارتولدى والمعروض بالكوليج دى فرانس بباريس. تستعين الفكرة بفن الأراجوز لاستيعاب مفهوم الأزمة وتوصيل معناها للآخر! فالأراجوز ملك العرائس.. ابتكار مصرى قديم لمخاطبة الملوك، عرفته الحضارة المصرية القديمة باسم «أرجوز»، وأثبت الباحث الفرنسى شارل ماتيه بكتابه «تاريخ الماريونيت» 1868، أن الأراجوز فن مصرى قديم، بتأكيده أن المصريين القدماء كانوا أول مَن توصلوا لفن العرائس، من جهة أخرى أُدرج الأراجوز كأحد الفنون التراثية غير المادية بمنظمة اليونسيكو 2018.

مصريا وعربيا، فمحمود شكوكو الفنان المصري، أسطورة فن الأراجوز العربى وله بقلوب المصريين والعرب مكانة خالدة لزرعه فنا شعبيا، نحت بوجداننا البسمة وفن النقد والتوعية الاجتماعية الصائغة لرصيد ضخم من الفلكلور الشعبى العربي، حيث استعان بعروسة الأراجوز بكل عروضه وطاف بها على قرى ونجوع مصر مع القوافل الثقافية للتوعية بمبادئ ثورة يوليو 1952، لدرجة إعجاب أحد النحاتين بفن شكوكو، ونحت له تمثالًا من الصلصال وعرضه للبيع ليلاقى إعجابًا جارفا، مما دفع بأكثر من نجار بجميع محافظات مصر لتقليد التمثال وإضافة رتوشهم الخاصة عليه، لينتشر شعبيا تمثال شكوكو لدرجة مساهمته فى جلاء الإنجليز عن مصر! وكانت المقاومة المصرية تستخدم زجاجات فارغة تعبئها بمواد متفجرة لمهاجمة معسكرات ومركبات الإنجليز، فاستغلت المقاومة حب الجماهير لشكوكو، وكان بائعو الروبابيكيا ينادون «شكوكو بقزازة» لمقايضة أى زجاجة فارغة، بتمثال لشكوكو، ويتحول لأحد رموز مقاومة الاحتلال الإنجليزي، والفن الشعبى المصرى!

فى فرنسا؛ تعتبر دمية «جنيول» إحدى أهم وأشهر الدمى التى ابتكرها لورينت مورجى، طبيب الأسنان الهاوى للدُمى منذ 1797، أطلق خلالها دميته يولجينلى 1814، ثم شخصية جنيول عام 1818 ليناقش من خلالها العديد من مواضيع تخص الطبقة العاملة بالمجتمع بالإضافة للمواضيع الشائعة وقتها، بما جعله رائدا فرنسيا لهذا الفن الموحى للشعب الفرنسي. ومن خلال نموذجى شكوكو المصرى ومورجى الفرنسي، يمكن محاولة تحليل وفك أزمة شامبليون!

نتذكر تبرير الكوليج دى فرانس بأن بارتولدى استوحى تمثال شامبليون من أسطورة «أُديب وأبوالهول» بالنسخة الاصلية للتمثال المعروض لأول مرة بمعرض المصريات بفرساى 1866، ثم مسخ بارتولدى رأس أبوالهول، لرأس رمسيس الثانى فى نسخة التمثال المعروضة للآن بالجامعة 1875!

فإذا تخيلنا أن فنانا مصريا استكمل نحت تمثال الأراجوز شكوكو، ماسكا بيساره مقبض صليبة تحريك خيوط الدُمى، لتنتهى بدمية تمثل «مورجى» فى زيه الأحمر والأزرق والأبيض، راقدا بخنوع تحت ساق شكوكو، فهل ثمة وجعا فرنسيا أو يعتبرها إهانة؟ كذلك الحال لو أن فنانا فرنسيا نحت تمثالا لمورجى الفرنسى يدعس رأس «عروسة الأراجوز» المصرية التقليدية، ثم استبدلها لاحقا برأس «شكوكو» المصري! فهل سيشعر المصريون والعرب بمهانة وامتهان لرمز فن الأراجوز المصري؟ أم أن فى الحالتين سيحق للمصريين والفرنسيين تبادل الإحساس بالإهانة والتهاب الكرامة والدعوة لإزالتها؟

الفكرة هى مدى مسؤولية الفنان عن (أنسنة الرمز المادى)، وحق الإنسان المُشخص أو ورثته فى رفض الإهانة أو دعس الكرامة! عاصرت موقفا مماثلا بأمسية مع أصدقاء بدبى لمناقشة أزمة شامبليون، فإذا بصديق عزيز من عائلة تعلوب السورية ينتقد اهتمامنا بالموضوع لهذه الدرجة وإضاعة وقتنا تباكيا على لبن مسكوب لن يُرتق! فسألته ماذا تفعل لو دخلت بيتى بالقاهرة، ووجدت لوحة زيتية لجدى الشيخ بكرى الكبير الذى زار سوريا 1875، وهو يضع حذاءه على رأس شخص مع تعليق «ذكرى انتصارى على تعلوب الكبير»؟ تخيل معى ما اعترى تعابير وجه صديقى الحبيب، الذى تحول وجهه الطيب الصبوح لجمرة غضب بنظرات قاتلة، لتنقشع عنه غُمة السكرة وتبرق لمعة الفكرة!

تماما كفكرة استبدال رأس الأراجوز المصرى التقليدى برأس شكوكو المنحوت فى قلب المصريين والعرب! فما هو الإحساس بتعمد بارتولدى بتحويل رأس «أبوالهول» (الرمز الحجري، غير البشري، وليس بأحد ملوك مصر) واستبدالها برأس رمسيس الثانى (وما أدراك من هو)؟ فهل هذا الاستبدال فنٌ أم خطأ فنى وتاريخي؟ هل نغضب لفكرة دعس شكوكو وتعلوب، ولا نثور لدعس رأس الجد الأعظم للمصريين وأيقونة الحضارة المصرية القديمة؟

استخدام فكرة تحول رأس الأراجوز إلى شكوكو، هى ذاتها التجسيد البشرى من رأس «أبوالهول» لرأس رمسيس الثاني. ورغم فجاجة المقارنة بين الأراجوز و«أبوالهول»، وشكوكو ورمسيس الثانى، إلا أنه للأسف بالتضاد تُعرف الأشياء، وصدمة الفكرة وتخيل صورتها رغم كذبها واختلاقها وفجاجتها، جعلت تعلوب الحفيد يفور ويثور لمجرد مثال تخيلى رفضت كرامته وخياله مجرد تصوره، رغم تأكده من سياقى الافتراضى لشرح فكرتى! فما بالك بتمثال يرتع فى عيون وفكر العالم منذ 1875 بمنتهى الفجاجة والإفك والتشويه لمجرد وحى من أسطورة تمثالها الأصلى الثابت والمخفي، وتمثالها الماسخ الناسخ يعلو فوق كل حقوق الإنسان والكرامة، بدعوى حرية الإبداع للفرنسيين ورمى المصريين بالعنصرية والغباء الفنى والثقافي؟

مازال درب أزمة شامبليون طويلا، يرصع فيه القدر الطريق بنجوم الفهم والشرح والمقارنة، لنظم منهجية الاستيعاب الفرنسى لحق مصر والمصريين، فى التصدى لهذا الخطأ البارتولدى! بعيدا عن فرنسا والفرنسيين والثقافة الفرنسية، التى نحترمها ونتبادل معها أنخاب العلم، والثقافة، والفن، والتاريخ.

فكم سيكون ظلما معاداة فرنسا والفرنسيين، بسبب فنان أهان شكوكو بحذاء مورجى! وذات الشىء بتجاهل فرنسا لخطأ بارتولدى العمدى فى الانتقام من مصر والخديوى إسماعيل بإهانة رمسيس الثانى الملك العظيم.. ومن أخرج اليهود من مصر! فليس من الحرية والمساواة والإخاء الفرنسي، الانتصار لخطأ ولو تحول لتاريخ، وإلا كان تزييفا فرنسيا معاصرا لمبادئ عريقة رائعة، أتمنى ألا يتناسوها!

وفى ذلك قصص أخرى!

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]