تأملات في نسيج أسامة أنور عكاشة -1

تأملات في نسيج أسامة أنور عكاشة -1
طارق عثمان

طارق عثمان

11:14 ص, الأحد, 2 يناير 22

البداية من النهاية. المصراوية، عمل أسامة أنور عكاشة الأخير. المحاولة الأخيرة لحكى الحكاية، هذه المرة من أول القصة. وفى فهمه، القصة بدأت من نهايات القرن التاسع عشر. مصر الحديثة، البلد الخارج من سبات قرون، ربما استيقظت مع اندفاع جيوش محمد على وابنه إبراهيم باشا إلى الشام. الاستيقاظ ربما جاء من وهج طموح وعزيمة الباشا وجسارة وبراعة ابنه. وربما- ولا مفر من الإقرار بذلك- أن غالبية الناس لم تستيقظ من تلك الاندفاعة. مشروع الباشا وابنه كان شخصيًّا، أو عائليًّا، ولكنه لا شك لم يكن مصريًّا بمفهوم ملكية المصريين لذلك المشروع. فى نظر الباشا المصريون كانوا أدوات، ورأى الرجل فيهم (فينا) لم يكن مليئًا بالمديح.

لكن الاستيقاظ لا بد أنه جاء من التضحيات التى طلبها- أو أمر بها- الباشا. آلاف من الرجال والشباب سيق بهم إلى الجهادية، ليلتحقوا جنودًا بجيش الباشا. ربما أغلبهم لم يعرف لماذا يحارب على جبهات صحراوية فى أول الشام، ثم فى جبال فى وسط الشام (فى لبنان)، ثم فى مدن وأراض زراعية فى شمال الشام وجنوب تركيا، عندما كاد جيش إبراهيم باشا يُلحِق هزيمة ساحقة بجيش السلطنة العثمانية. لكن هؤلاء الذين سيقوا من قراهم (والغالبية الساحقة منهم كانوا من دلتا النيل) ليُحاربوا فى الشام تركوا وراءهم أهالى لا يعرفون لماذا وإلى أين ذهب من أخذتهم السلطة. هذا الفراغ لا شك أيقظ كثيرين، نبههم أن هنآك شيئًا كبيرًا يحدث.

وعندما قرر الباشا أن يأخذ كامل الأرض المصرية ليُعيد بناء الاقتصاد المصرى وفق الرؤية التى تصورها- وكانت متأثرة بتجارب تنموية فى فرنسا القرن الثامن عشر- جاء الاستيقاظ كصدمة لمن لم يكن قد فاق بعد. فى أقل من ربع قرن تغيرت الصورة الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية للمجتمع المصرى، خاصة فى الدلتا، بشكل لم يحدث منذ عهد المماليك الأوائل.

هنا، فى منتصف القرن التاسع عشر، بدأت مجموعات فى المجتمع المصرى تُبلور تصوراتها هى لمجتمعها. راحت صدمة الاستيقاظ العنيف وجاء وهج احتمالات الفرص.

أغلب المؤرخين نظروا فى تلك المرحلة من خلال أفكار وأعمال الرعيل الأول من المصريين الذين اقتربوا من دوائر الحكم، وكلهم بلا استثناء تقريبًا رجال تعليم وقانون اختارتهم دوائر مقربة من محمد على باشا ليذهبوا إلى أوروبا ليتعلموا ويدرسوا ويعيشوا فترة ليرجعوا بعدها ويمارسوا ما تعلموه وعاشوه هناك . نظرة المؤرخين ركزت على ما قام به هؤلاء المصريون من أعمال، خاصة من بناء المؤسسات الأولى للدولة المصرية الحديثة. وتلك رؤية مهمة لأنها كاشفة، من فوق، للتغيرات المهولة التى حدثت فى مصر فى نهايات القرن التاسع عشر.

لكن أسامة أنور عكاشة اختار أن يُرينا الصورة من الداخل، ليس من فوق. وهنا كانت بدايةً المصراوية. أسامة أنور عكاشة رسم صورة قرية مصرية فى جنوب دلتا النيل- قلب مصر.. والاختيار فيه من الذكاء بقدر ما فيه من فهم لتاريخ مصر. جنوب الدلتا ما زال فى القلب، ولكنه متصل بشمال الصعيد، عمق مصر وعزها وعزمها. لكن أسامة أنور عكاشة كان محددًا فى رؤيته. لم يتركنا نتوه فى القرية وعائلاتها وديناميكياتها. أعطانا صورة عامة، وهى صورة تقليدية نعرفها بالوجدان إن لم يكن بالتجربة. لكن تركيز أسامة أنور عكاشة كان على العمدة، موضع القوة والفعل فى القرية. العمدة شخص، وذلك أول خيط فى نسيج المصراوية. لكن العمدة كبير عائلة، على رأسها أمه، وفيها أخوته ونساؤه، وفى خلفية الصورة أطفال يولَدون حاملين معهم مطالب تُولِّد فى عقل العمدة طموحات. وكل هؤلاء خيوط فى النسيج نفسه.

أسامة أنور عكاشة اختار أن يُدخلنا داخل عقل ووجدان العمدة، ليكشف كيف رأت الطبقة الوسطى المصرية وقتها الفرص النابعة من الاستيقاظ والصدمات التى حدثت فى العقود القليلة السابقة. المصراوية لا تُضيع وقتًا كثيرًا فى حياة القرية. أسامة أنور عكاشة ينطلق من طموح العمدة التوّاق إلى القوة والتوسع ليأخذنا إلى طنطا (قلب الدلتا)، ثم سريعًا إلى القاهرة والإسكندرية، تجليات مصر الحديثة. الرحلة تبدأ من وصول القوة المعتمدة على العمق المصرى إلى أطراف الإعصار الذى هو تغيرات المجتمع المصرى فى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن