أثار مقترح السفير المصرى للكوليدج دى فرانس “بوضع وصف كتابى على التمثال نفسه يفسر المعنى الصحيح له – من وجهة النظر الفرنسية – ويعكس التقدير والاحترام للحضارة المصرية، بما قد يساهم فى تهدئة غضب واستياء الشارع المصرى من التمثال” أثار تساؤلا جادا عندي، هل تمثال شامبليون وجع مصري، أم تحدٍ فرنسي، أم تحدٍ مصري/فرنسي؟
وهل أزمة 148 سنة إهانة، تحلها الاحتجاجات الشعبية أو المقالات الصحفية أو المقترحات الدبلوماسية، ورغم ذلك يستمر وجود التمثال رغم أنف الجميع بصورة أو بأخرى؟ أم أن مصر لا توجد لها قضية حقيقية فى هذا الموضوع أصلا، والأزمة تأخذ أكثر من حجمها؟ من وجهة نظر مصر؛ فالتمثال – شعبيا وفى مستويات معينة – نُدبة فى وجه كرامتها، ولكنها تبدو ليست على الدرجة المطلوبة لمعاملتها رسميا بصورة جادة تستهدف علاجها! (ربما تقديرا لاعتبارات مختلفة أكبر وأعمق بين البلدين، وحتما نحترمها).
ومن وجهة نظر فرنسا – كما ورد على لسان الأثرى المعروف زاهى حواس – أن هذا التمثال لا يمثل أى إهانة لمصر، وأن هناك سوء فهم للمعنى الحقيقى للتمثال، لاسيما أن النحات الفرنسى Auguste Bartholdi الذى قام بتصميمه يُعد من أشد المعجبين بمصر وبشعبها وبحضارتها العريقة وفقا لمذكراته الشخصية، وأن الفرنسيين يكنون كل الاحترام والتقدير للحضارة المصرية العريقة والمصريين، وبالتالى لا توجد مخالفة أو غضاضة أو مُسمى أزمة للموضوع!” وربما كانت وجهتى النظر المذكورتين، هما سبب المقترح التوافقى من السفير المصرى لغلق هذا الملف للأبد، للتفرغ لأمور أكثر أهمية بين البلدين، والتركيز على مستقبليات أهم من خلافيات غير مؤسسة أو موضوعية أو متزيدة عند الكثيرين! ولكن هل هذا حق وصحيح فعلا (رغم أن بارتولدى لم يكتب مذكرات أصلا ولا توجد له أى تفسيرات للتمثال وحذائه الشهير)!؟.
هل وجع وتأذى المصريين من دعس جزمة شامبليون لرأس جدهم رمسيس الثانى والمناداة برفعها، مجرد هاجس أو شعور سلبى أو غضب؟ أم أن هذا الوجع يرتقى ليكون (حقا مشروعا) يمارسه المصريون، ولا يكونوا مسئولين عما ينشأ عن ذلك من أضرار لسوء الفهم الفرنسى أو تحسس العلاقات أو تحدى فرنسى لهذا الحق، بما يحوله لعناد لا يقل معنى عن الدعس الشامبليوني؟
سبب هذا السؤال الجوهري، يتعلق بالتكييف القانونى لفرضية القبول الرسمى لمصر للمقترح التوافقي، الذى سيحول كل المناشدات المصرية منذ 2010 إلى اعتبارها (إساءة استخدام حق الشكوى)! فعندما نقبل مقترح ورقة الوصف الكتابى للمعنى الصحيح للتمثال لمسح إهانتنا، فستكون صور كل محاولاتنا السابقة لإعلان وجعنا لإهانتنا، لم يقصد بها سوى الإضرار بالفن والتاريخ والإبداع والإنجاز الفرنسي! ومتى تفهمنا وقبلنا التفسير البارتولدى للتمثال، فكل مصالحنا فى زعم حفظ كرامتنا وتاريخ حضارتنا، ستكون قليلة الأهمية ولا تتناسب البتة مع ما سيصيب الكوليج دى فرانس وفرنسا من أضرار إزالة التمثال أو تقرير عدم صلاحيته للعرض! وهذا يؤدى بالضرورة – طالما تفهمنا وقبلنا وتوافقنا – لجواز إثبات فرنسا لاحقا، إن كل مصالحنا لتقديم شكاوينا وبروزة أوجاعنا ومجادلاتنا بمسمى كرامة الحضارة المصرية التى كنا نرمى لحفظها وحمايتها، إنما كانت مصالح غير مشروعة! طالما سلمنا فى النهاية بفهمنا وقبولنا بأن بارتولدى كان صحا فى معنى دعسه، ونحن خطأ فى قول (آآآي)!
باختصار، المقترح الدبلوماسى التوافقى الكوليجى دى فرانسي، يفرغ قضية الكرامة المصرية من مضمونها! ويصم صراخنا بإزالة الدعس الشامبليونى بإساءة استخدام حق الشكوى! ويسمح لفرنسا لاحقا بالرجوع على كل من رفع سبابة الاعتراض! والأخطر؛ يضيع على مصر حقها الأصيل المحسوم فى إثبات المسئولية الفنية التقصيرية على أوجست بارتولدى لإهانة الحضارة المصرية والمصريين ورموز مُلكها! الحقيقة التاريخية، المستندية، الفنية، القانونية أن لدينا حقا ولدينا قضية، وليس فقط لدينا وجع، أو هاجس، أو شعور بالعنصرية! القضية أكبر وأعمق بكثير جدا من أن يحلها وصف كتابى يقنن ويشرع الإساءة، طبقا لثقافة الآخر الذى ينجح فى إقناعنا بذلك! الأخطر أن يكون هذا المقترح من جانبنا، وكما قلت مسبقا أن اعتراف الضحية أو المجنى عليه بقبوله للخطأ أو تفهمه له أو مشاركته فيه، يسقط حقه فى طلب التعويض عنه لاحقا!
لقضية الدعس الشامبليونى للرأس الملكى أبعاد أخرى تمس الوعى الجمعى المصري، ستظهر خطورة أثرها لاحقا، عندما تعلن فرنسا عن حل الأزمة باقتراح دبلوماسى مصري! وقتها سيتأكد جيل كامل من فشل الدولة فى حماية حقوقها التاريخية المُثبتة! وسيتأكد لجيل قادم صحة قناعته بعادية كافة رموز انتهاك الكرامة والحقوق، طالما يمكن تغليف الانتهاك بالمقترحات التوافقية المرسخة لحرية الإبداع والتفاسير لهدم الاعتبار الشخصى والوطني! ليكون التطور الطبيعى لعلاج الوجع من أى حقوق روشتة بالمقترحات التفسيرية (فطبيعى يوما ما أن يعالج الحق فى الوجع الفلسطيني، بوصف كتابى ضخم يُنحت على بوابة القدس بحسن النية فى أرض الميعاد).
للأسف حتى الآن لا يُتعامل مع قضية الحق المصرى ضد أوجست بارتولدى (وليس ضد الكوليج دى فرانس أو فرنسا) باحترافية وموضوعية وخارطة طريق حقيقية، تستهدف وضع الأمور فى نصابها. القضية أوراقها مخلوطة ومختلطة.. عن قصد وبتخطيط! ومن غير العادل أبدا أن يضيع حق مصر الثابت فى حل القضية بعدالة، لمجرد إساءة عرض الحق (وليس حق العرض المكفول أصلا) أو الخطأ فى الطلب، أو مساومات غير محسوبة، أو مصالح مأجورة، جهلا مطبوعا.
أزمة تمثال شامبليون؛ تحدٍ حقيقى لمصر والمصريين فى فن تشريح وجعهم، ومناقشته بموضوعية واحترام الآخر، وإثبات حقهم بشفافية وقانونية، وطلب حسمه بعدالة فرنسية أو دولية إن لزم الأمر.
عندما قال محمد على باشا (لن أخشى حكم التاريخ) كان يعنيها وحققها، فكان ما له وما عليه! ولكننا لن نستطيع ذلك مع أزمة شامبليون! فالتاريخ لن يرحم أبدا، كل من صمت أو ساهم أو شارك أو والس أو هادن أو توافق أو تجاهل استمرار وجود هذه الندبة فى وجه مصر ووعيها الجمعى لأجيال ممتدة، بانتهاء عظمتها تحت حذاء يعشقها.
* محامى وكاتب مصرى