كانت هذه هى الندوة التى اقترحتُ عنوانها وتشرفت بحضورها، الجمعة 2 يونيو 2023، واستضافتها الإعلامية الأستاذة إيمان الخضرى، بحضور ذاكرة المصريات أ.د وسيم السيسى، وحرمه، أ.د هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع السياسى والعسكرى، الكاتبة الصحفية الأستاذة إقبال بركة، الموسيقار هانى شنودة، الطبيب والمفكر أ.د بهى الدين مرسى، وأستاذة الإعلام د. هالة الطلحاتى. وربما هذه من المرات القليلة التى خصصت فيها ندوة لعرض ومناقشة تمثال شامبليون بصورة منهجية، تفرّد فيها الحاضرون بإظهار جوانبها المختلفة التاريخية والاجتماعية، والأثرية، والفنية، والعلمية.
اغتنمت حضور هذه القامات الفكرية لأطرح سؤالًا مباشرًا: هل تمثال شامبليون مشكلة أم قضية؟ وإذا كان (تمثال العار) كما يسميه د. السيسى، بموقعه منذ 1875 فكيف- كما سألنى سائقي القديم الحاج محمد عوض- لم يصادف معناه المهين أو يتصدى له زخم العلماء والأدباء والمثقفين والسياسيين المصريين الذين توافدوا على باريس من وقتها حتى 2010؟ (وهى ملحوظة أقر الحاضرون عمقها رغم بساطة سائلها) بمعنى آخر، هل تمثال شامبليون مشكلة طارئة طفت على سطح الوعى المصرى منذ تصويرها وتداولها على السوشيال ميديا فى 2010 لتعكّر صفو الحياة الثقافية المصرية، أم أنها قضية قديمة مرتبطة بحق تاريخى لمصر والمصريين فى منع الإساءة والإهانة لرمز دعس حذاء العالم شامبليون رأس الملك رمسيس الثاني؟ وهل كون التمثال عملًا نحتيًّا تشكيليًّا قديمًا لفنان فرنسى خارج مصر، مرّ على تواجده 149 سنة تقريبًا ما يجعل هذا الحق (يتقادم)، فيسقط حق مصر فى المطالبة بصدور قرار فرنسى بعدم صلاحيته للعرض؛ لمخالفته ميثاق حقوق الإنسان، ومبادئ الثورة الفرنسية، وقانون منع الإساءة والتشهير الفرنسى رقم 1881؟
للإجابة على سؤالى، تشرفت بتقديمى للحضور PowerPoint Presentation تشرح الفرق بين المشكلة والقضية فى خصوص شامبليون، ليعتمد الحاضرون فى نهايتها أن تمثال شامبليون قضية مصرية ضد النحّات أوجست بارتولدى، عن تعمده الإساءة لمصر والمصريين، على خلفية خلافه التاريخى مع الخديو إسماعيل، وتشكيله لانتقامه فنيًّا فى نسخة تمثال شامبليون بالكوليدج دى فرانس 1875 (وقد أفردت هذا الخلاف وتأصيل وإثبات المسئولية الفنية التقصيرية لبارتولدى فى 24 مقالًا من 4 ديسمبر 2022، جمعتها فى كتاب كجزء أول).
قضية مصر ضد تمثال شامبليون للنحّات بارتولدى تناقش مسئوليته الفنية التقصيرية عن الفعل المادى للخطأ الثابت عليه، باستبداله (بعد خلافه مع إسماعيل 1869)، برأس “أبو الهول” فى نسخة تمثاله الأصلية المعروضة بمعرض المصريات بفرساى 1867، رأس الملك رمسيس الثانى فى النسخة الثانية للتمثال المعروضة بالكوليدج دى فرانس 1875، بما يجعل هذا الفعل المادى بالاستبدال العمدى المُهين عملًا ماديًّا مُسيئًا وضارًّا مستمرًّا ما دام متاحًا للعرض، وعليه يكون من نماذج الجرائم المستمرة، الناشـئ واقعتها الإجرامية عن فعل خطأ مستمر، لا يُزال إلا بإرادة الجانى، أو بالقبض عليه، وتقديمه للمحاكمة!
للقضية بعموم النظم القانونية مواصفات نظامية لقبولها، بداية من تحرى وجود الحق، وصاحبه وصفته ومصلحته، وسنده فى إثباته، ثم تعيين المخطئ والفعل الخاطئ وإثباته، ثم إثبات تسبب الخطأ بضرر أصاب مضرورين بعينهم، ليأتى إثبات علاقة السببية بين خطأ المخطئ وإضرار المضرور ونوعها وآثارها، وأخيرًا منهجيات رفع هذا الضرر. فى تقديرى الخاص (المُسند) إن حالة نسخة تمثال شامبليون 1875 لبارتولدى، من الجرائم الثقافية المستمرة التى لا تسقط بالتقادم، لسريان معناها وأثرها فى الزمن باستمرار وجود التمثال نفسه، فالإساءة والإهانة لمصر لا تسقط بالتقادم، بل يثبت الحق لكل مصرى فى طلب رفعها فى أى وقت، ما دام أثبت قضيته.
نحن بصدد واقعة مادية عمدية مثبَتة تاريخيًّا وفنيًّا، ومعناها فى الإساءة لا خلاف عليه، وهو ما بلورته فى سؤالى للدكتور بهى الدين مرسي: هل شامبليون حر فى وضع حذائه على رأس رمسيس الثاني؟ أو كان الأخير حرًّا فى قبول دعسه تحت حذاء هذا الصنم؟ هل هذا التمثال ينقل معنى المساواة بين عالم فرنسى وملك مصرى فى الشكل والحجم والوضعية ورمزية الحركة؟ هل يدل أو يترجم هذا التمثال أى معنى للإخاء بين المصريين والفرنسيين؟ وعندما كان رد المفكر المنصف بالنفى، ابتسمت وقلت: إذن هذا التمثال تجسيد لمخالفته مبادئ الثورة الفرنسية التليدة (الحرية/ المساواة/ الإخاء)! فهل يجوز للكوليدج دى فرانس إيواء رمز يناهض مبادئ مُلهمة ثورات العالم؟ واقعيًّا وقانونيًّا، نحن بصدد قضية مصرية وفرنسية أيضًا! قضية مصرية تمس حق مصر والمصريين فى المطالبة بمحاكمة أوجست بارتولدى عن جريمة مستمرة فعلها المادى الخاطئ يقبع متحديًا الزمن. أما القضية الفرنسية فهى مخالفة عمل فنى تشكيلى لمبادئ الثورة الفرنسية وقانون منع الإساءة والتشهير رقم 1881، والميثاق الدولى لحقوق الإنسان. طبيعى أن تحمى فرنسا آثارها وتعتز بها، وطبيعى أن تحترم مصر ذلك كأصل عام، إلا إذا تم إثبات عناصر قضية مصر فى المسئولية الفنية التقصيرية لبارتولدى، وقدمتها مصر طبقًا لمنهجيات قانونية تعترف بها الكوليج دى فرانس، سواء فى إطار الحق المصرى لرفع الإساءة والتشهير، أو فى إطار مخالفة العمل الفنى للقانون الفرنسى والدولى.
قانونيًّا وموضوعيًّا، لم تقدم مصر حتى الآن مطالبة رسمية فى قضية تمثال شامبليون، ولم تستقبل الكوليج دى فرانس أو فرنسا طلبًا رسميًّا من مصر أو مصريين، مستوفيًا الشروط والحجة والسند للنظر فى قضية التمثال! السبب الحقيقى هو أننا حتى الآن نتعامل مع الموضوع كمشكلة لا قضية! مشكلة قد تتحرك بمقالات، أو مناشدات، أو مقترحات، أو احتجاجات، وكلها مظاهر تعبير وليس عملًا قانونيًّا لإثبات الحق فى قضية تاريخية حقيقية تحتاج لتكاتف وتنسيق وفريق عمل ودعم حكومى ووعى جمعى وحراك ثقافى. مجرد الطرح الموضوعى، الجادّ، السليم، المستوفى الحجة والسند، هو ما سيجعل لهذه القضية قوامًا حقيقيًّا قابلًا للمناقشة والتقييم والفصل فيه والعرض على الجهات المعنية الفرنسية أو تصعيده دوليًّا. حتمًا نخرج الموضوع من طوطم العلاقات المشتركة والحرج الدبلوماسى، لتأخذ مركزها القانونى الطبيعى فيصدر فيها حكم عادل، إما بإنصاف حق مصر أو رفض فرنسى، ولكن فى هذه الحالة سيكون الرفض تنكرًا فرنسيًّا لكل ما تمثله فى المجتمع الدولى!
القضية أخطر من تمثال ونحّات موتور! لأنها تمثل مدى إيماننا بحضارتنا من جهة، وإيمانهم بمبادئهم من جهة أخرى، وهذه قضية أخرى تحتاج إلى وعى جمعى مصرى عربى عالمى، قد تكون المرحلة الحالية مناسبة لمناقشتها!
* محامى وكاتب مصرى
bakriway@gmail.com