شامان الهلال الأسود!

شامان الهلال الأسود!
محمد بكري

محمد بكري

7:07 ص, الأثنين, 9 مايو 22

مع نهايات 2047، كانت أغلب مناطق الكرة الأرضية اكتُشفت بالمسبارات (الفضاأرضية)، الموجهة لمناطق جديدة بالكوكب لمعرفة مواردها وإعادة توزيع البشر عليها، خصوصا جزر المحيطات وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والقطبين والصحارى إلخ، بعد فواجع الأوبئة وتغيرات المناخ فى أواخر 2039 والحرب العالمية الرابعة 2045 وإعادة جغرافيا الدول والقارات.

مع تباشير فجر 5 مايو 2084، ابتسم مايكل جابرييل مبتكر قسم «العودة» بمشروع ستارلينكس، وهو يحصد ويبوّب إحصائيات قراءة آلاف المعلومات لشركة جالاكسى زد، من الشبكة المجددة لأقمارها الصناعية للإنترنت حول الأرض! كانت «العودة» فكرة مجنونة لإطلاق صواريخ من أقمار صناعية دوارة، تطلق كاميكاز درونز (طائرة بدون طيار لمهمة واحدة انتحارية) كتطوير لمهمة المسبارات (الفضاأرضية)، فتُحمّل بعدد من أجهزة اتصال متقدمة جدا بمواصفات خاصة، لتلقيها الدرونز بمناطق غير مطروقة بجغرافيا العالم المعروف (جزر، غابات، صحارى، ثلوج). صمم مايكل وفريقه هذه الأجهزة بصورة لتتواصل تلقائيا صوتا وصورة بستارلينكس فور فتحها، من شاشة مخزنة بأكثر من 7 آلاف لغة ولهجة حية وميتة، بالإضافة لعشرات اللغات والتعابير الجديدة المنحوتة والمركبة باستخدام الجيل الرابع عشر من الذكاء الاصطناعي!

كان قسم «العودة» هو المستقبل لجالكسى زد، لتزويد رئاسة (محفل جماعات العالم) بالمعلومات، للسيطرة على الكوكب والبشر (بعد اختزال معانى الشعوب للجماعات)!

ظلت منطقة الهلال الأسود بأفريقيا، من المناطق المغلقة على الكاميكاز درونز لجالاكسى زد، المنتحرة بالمئات على مدار 6 سنوات! منطقة غريبة يظهرها المسبار بصورة تكوين هلالى مُصمت بمسطح 700 فدان تقريبا، ويرتفع عن سطح الأرض بنحو 500 متر، ويظهر دوما بالشاشات بلون أخضر داكن يميل للسواد! لم تنجح مسبقا أى وسائل اتصال تقنية فى تحديدها أو الطيران فوقها أو وصلت لها سلطات محلية من قبل! فالهلال محاط بأخاديد عميقة جدا بمناطق، وبسلاسل جبال شاهقة تخفيه بمناطق أخرى! ورغم ندرة الزلازل بالقارة السمراء، ظل تكوين الهلال الأسود مُرجحا بأنه أحد شواذ الطبيعة! فاشتهرت المنطقة بإدارات جالاكسى زد بـ(شامانية الأرض)، أما لمايكل جابرييل فكانت «المستحيل المنتظر!»

مع غروب 6 مايو 2084، لمعت فجأة شاشة كرّية بذبذبات زرقاء مصدرها الهلال الأسود، التقطها أحد أجهزة الاتصال المطورة مؤخرا من مايكل شخصيا! لم يصدق مايكل عينيه وراجع الإحداثيات بالشاشة المزروعة بكفه ليؤكد المعلومة، وعلى الفور حول الذبذبات لشاشته الكفية فقط، ليغنم سبق وحصرية الاتصال بالهلال الأسود! فمعنى ذلك أن أحد درونز الكاميكاز نجحت أخيرا باختراق السواد الصامت، وشخص ما التقط الجهاز وفتحه ليتم التواصل الإلكترونى التلقائى بستارلينكس.

لبرهة ظلت الشاشة الكفية لمايكل مفتوحة، على مشهد علوى بانورامى لطرف من مدينة مترامية، بها مبانٍ غريبة التصميم وطرق عريضة ومنصات معدنية وأبراج متناثرة! وفجأة تحركت الصورة ببطء لتكشف مزيدا من التفاصيل المتقطعة حول مركبات طائرة وغابات داكنة مترامية، ليتوالى عرض صور مجموعات بشرية من أجناس وألوان مختلفة، تتوزع تجمعاتهم بصورة نجوم، تتكامل أطرافها لتشكل دائرة عملاقة! لدقائق تجمدت كف مايكل وهو يطالع غيبا مخفيا يتفتح بين أصابعه! ورغم التقدم العلمى ومعامل النخبة والإمكانيات التقنية فى 2084، شعر مايكل بعجزه عن تفسير ما يراه!

وبمنتهى البطء رن صوت عميق قائلا بوضوح «أعرف أنك تفهم لغتى سيد مايكل فجهازك متطور لحد ما، واليوم فقط ولمدة 30 دقيقة سمحت بكشف غطاء النبضات الكهرومغناطيسية وحواجز الإشعاع الحرارى السوداء المحيطة بالهلال، ليبصرنا آخر درونز يحاول التطفل علينا! ولا تتعجب، فنحن نسبقكم بسنوات ضوئية ونراقبكم من أجيال، انتظارا لوقت نزولنا لإعادة التوازن للكرة الأرضية! أنا شخصيا مهتم بمتابعة عالمك آخر 50 سنة للتعرف على الكواكب الأخرى والمخلوقات العاقلة بالمجرة، والغريب حرصكم على إخفاء زياراتنا القديمة رغم إثباتاتها لديكم نحتا وحفرا بمختلف مناطق عالمكم على مدار آلاف السنين؟ وبدلا من فتح البحث والحوار والتطور، التزم البشر الأنانية المعتادة والكذب المتعمد كما لو كنتم ملوك المجرة الوحيدين! فكان قرارنا أمام أنانيتكم وتسلطكم وجشعكم هو المراقبة والتواصل بصورة أخرى؟

عملنا على تطوير نسيج أجسامنا وجيناتنا الوراثية وأرسلنا بعثات مستمرة لتتزاوج بشتى بقاع معمورتكم، وعدنا بأجناس جديدة طورنا فيها القيم والعلوم والأخلاق، وشرعنا لمئات السنين بتطوير حضارتنا بالهلال الأسود، لترث الأرض وما عليها بعد فناء جنسكم، أطماع وحروب وكوارث بيئية وإبادة بشرية! للأسف مايكل، أثبت البشر أنهم خليفة فاشل، انشغل بالدمار والسيطرة أكثر من عمارة الأرض. ورغم المخزون الهائل لناتج حضاراتكم على مر السنين، إلا أن المحصلة براقة فى الخراب والتقسيم والدمار، وكان لابد من بديل، من آدم جديد يجدد عهد الخلافة وعمارة الكون».

انقطعت أنفاس مايكل لبرهة، حاول معها استرجاع أبحاث الاتصال بالكواكب الأخرى وما أفصحت عنه بعض المجموعات عن زوار الفضاء إلخ، وقال بهدوء: «ولما لم تتدخلوا لمساعدتنا عن قرب؟ لم يكن الانعزال يوما مصدرا للتجديد أو التغيير! بإمكانياتكم المتفوقة كنتم جنبتمونا مئات الحروب والمجاعات والكوارث واستثمرنا الكوكب معا! أما انتظاركم زوالنا لبزوغكم، فيحمل أنانية أكبر من أنانية البشر التى تعيبنا عليها. ربما كانت حروبنا للبقاء لا للدمار، وتحكّمنا لإعادة التنظيم بدل الفوضى! قد تكون مُحقا، ولكن استخلاف البشر على الأرض لن ينتهى وانتظاركم سيطول، وعزلتكم أبدية».

صمت الصوت دقائق وعاد ليقول «نفس المنطق الأنانى فى التبرير، لاغتيال موارد الأرض واستعباد البشر والمتاجرة بالجوع وتفسيخ الوعى العالمى والحريات واحتكار وتسييس العلم وتطوير سياسات القطيع والتآمر الجينى وتزوير التاريخ والتلاعب بالغرائز والإدارة بالموت والغيبيات إلخ، كل ذلك جعلكم تتولون عن عمارة الأرض! حضاراتكم وثقافتكم توثيقا لتوليكم عن مسؤولية خلافة الصانع، فتغيرات مناخ الأرض صناعتكم وموت الملايين إنتاجكم وتقسيمات الجغرافيا أطماعكم وتوحش التقنية إبداعكم، لقد وصل نسل آدم الأرضى لمراحل متدنية بزعم الترقي! إصلاحنا سيذوب فى عطنكم وحضارة البقاء ستضيع فى التحكمات الأرضية، لقد بنينا وطورنا لنحافظ على حضارة الإرث ولا نتعجل نزولنا للأرض إلا بموعد معلوم، ولعلها المرة الأولى التى رغبت فيها بالإفصاح عن عالمنا لأتأكد من أمر واحد؟ هل جالاكسى زد موفرة المعلومات لمحفل جماعات العالم جديرة بمشاركة وجودنا من عدمه؟ وحديثك يثبت أن موعد (العودة) قارب على التحقيق، فمبتكر إدارة العودة ذاته أنانى الطبع، لم يتخلص من بشريته وأدبر كغيره عن الخلافة الحقيقية، وآن زمن استبدالكم بقوم لا يكونون أمثالكم».

تلاشى الصوت مع الذبذبات الزرقاء بالشاشة الكفية ليد مايكل، التى قبضت وفردت أصابعها عدة مرات، ليسودّ كفه، ويعود مسرعا للشاشة الكرّية ليجدها ميتة تماما! ولدقائق حاول أن يتدبر ما علم بدون تسجيل أو إثبات، ومئات الأفكار تطيح بعقله لوعى وإعلان ما سمعه؟ وببطء خط بسبابته على اللوح الضوئى لجالاكسى زد (للذكرى والبداية، ماسك..شامان الهلال الأسود)!

فانتازيا محمد بكري

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]