سؤال أمريكى جديد: ماذا نريد من العالم العربى؟

سؤال أمريكى جديد: ماذا نريد من العالم العربى؟
طارق عثمان

طارق عثمان

5:37 ص, الأحد, 31 أكتوبر 21

أمريكا تبتعد عن منطقتنا.. وهذا يزعج كثيرين ويُفرح آخرين.. للبعض ذلك انتصار، ولآخرين ذلك خطر.. ذلك الابتعاد أيضًا فى قلب التقاربات الجديدة التى بدأت تظهر فى المنطقة وأهمها بين بعض دول الخليج وإسرائيل. كما أن ذلك الابتعاد وراء الفجوات الإستراتيجية التى دخلت منها دول أخرى (مثل تركيا) وكوّنت مناطق نفوذ فى أجزاء من الساحل الشرقى للبحر المتوسط، ومثل روسيا التى وسّعت من نفوذ كان موجودًا فى مناطق من شمال أفريقيا.. وربما الأهم أن ذلك الابتعاد يفتح نظر مفكرى الإستراتيجية الصينية على ما يمكن عمله فى كل المنطقة العربية- وهى واحدة من مناطق قليلة جدًّا فى العالم ما زال الوجود الصينى فيها محدودًا للغاية.

الصورة مختلفة فى واشنطن. هناك الابتعاد نتيجة لفكر طويل داخل أهم مؤسسات القرار الأمريكى، وقد التقى الفكر مع استعداد سياسى داخل الحزبين الرئيسيين للخروج التدريجى من الشرق الأوسط، خاصة مع نقل الاهتمام ومع نقل قدرات عسكرية كبرى إلى شرق آسيا حيث أهم مسارح الصراع مع الصين.. بالطبع الخروج لا يعنى الابتعاد النهائي؛ لأن للولايات المتحدة علاقة إستراتيجية رئيسية فى الشرق الأوسط (مع إسرائيل) وعلاقات أخرى عميقة مع عدد من الدول العربية. وفى النظرة الأمريكية، هذه العلاقات- والتى يستمر الاستثمار فيها- تعنى أن هذه الدول يمكن إيكال مهام لها عند وجود مصالح أمريكية تستدعى القيام بمهام معينة.

لقد تحدثت منذ أسابيع قليلة فى هذا العمود عن حوارات مختلفة أمريكية عنا، ونحن فيها مصورون وكأننا منطقة ذات قدرات محدودة جدًّا للفعل- وهذا صحيح فى بعض النقاط، وخاطئ فى الكثير. ولكنه بشكل عام معبِر عن رؤية معينة فى واشنطن لقدرة الفعل لأغلب الدول العربية. لكن حديث اليوم مختلف- وهو عن سؤال يُطرح فى عدد من الدوائر الأمريكية الآن متعلق بنوعية المصالح الأمريكية لدينا.

هذا الحديث لا يدخل كثيرًا فى البترول والغاز؛ لأن مستقبل الطاقة بدأ يظهر بوضوح من ناحية تطور وصعود الطاقات البديلة (النمو الأخضر، كما يُسمى). ورغم أن منطقتنا- خاصة شمال أفريقيا- متوقع لها أن تكون ذات أهمية خاصة فى هذا المستقبل، خاصة كمصدر هام للطاقة الشمسية لأوروبا- وأيضًا رغم استثمارات خليجية عملاقة فى أنواع مختلفة من الطاقة البديلة- فإن مقدرات التكنولوجيا وراء هذه الطاقات الجديدة بعيدة عن منطقتنا. معنى ذلك أننا لاعب غالبًا سيستفيد من هذا التحول التكنولوجى المَهول فى دنيا الطاقة، لكننا لا نحمل فى ذلك المستقبل للطاقة أهمية إستراتيجية خاصة، كتلك التى كانت لمنطقة الخليج أثناء فترة البترول والغاز كأول مصادر الطاقة فى العالم.

مشاكل الهجرة أيضًا بعيدة عن الفكر الإستراتيجى الأمريكي؛ لأنه رغم وجود سيناريوهات مظلمة لعدد من الدول العربية، التى، إن حدثت، ستؤدى إلى موجات هجرة جديدة- ليست على مستوى موجات الهجرة من سوريا فى العقد الماضى ولكن أيضًا بوزن لا يُستهان به- إلا أن موجات الهجرة تلك (إن حدثت) ستكون مشكلة أوروبية بامتياز. والتقدير الأمريكى أنها ستؤدى إلى مشكلات اجتماعية داخل أوروبا، وربما إلى تطورات سياسية داخل عدد من دول أوروبا (مثل ازدياد فى التمثيل البرلمانى لأحزاب أقصى اليمين)، إلا أنها ليست واصلة فى تداعياتها إلى ما يستدعى تدخلًا أمريكيًّا. على العكس هناك رؤية أمريكية ترى أن هذا الخطر سيؤدى إلى تحريك هياكل الدفاع الأوروبية؛ وهى، فى الرؤية الأمريكية، هياكل فيها الكثير من القصور.

نفس الشيء إلى حدٍّ ما ينطبق على المشاكل النابعة من حركات الإسلام السياسى المسلّح. فهى بالرغم من تطورات مهمة فى أغلبها- سواء العاملة فى الشرق الأوسط أو فى وسط آسيا أو فى غرب أفريقيا- كلها لا تمثل، فى الرأى الأمريكى السائد فى أهم مؤسسات القرار (على الأقل فيما هو ظاهر) تهديدًا جادًّا يستدعى تدخلًا أمريكيًّا. على العكس، هذا واحد من الملفات التى يُرى سهولة تحويلها إلى حلفاء وأصدقاء، سواء فى المنطقة العربية أو فى أوروبا.

بالطبع نتيجة كل ما سبق، فإن الدفاع عن حلفاء قدماء من بعض العائلات المالكة العربية أصبح أيضًا أقل أهمية فى هذا الرأى الأمريكى.

الحاصل حتى الآن أن الابتعاد الأمريكى عن منطقتنا يجرى ببطء ولكن بوضوح. لكنه ابتعاد وليس رحيلًا. خاصة أن الشرق الأوسط والمنطقة العربية ما زالا يحتويان على عنصرين مهمين لمستقبل الإنسانية؛ العنصر الأول أن فى المنطقة واحدة من أكبر الكتل الشبابية فى العالم، وهذه طاقة ممكن أن تؤدى إلى قفزات اقتصادية (كما حدث فى عدد من الدول الآسيوية)، أو ممكن أن تذهب بعدد من الدول إلى انفجارات.. العنصر الثانى هو مستقبل دور الدين- وخاصة الإسلام- فى مجتمعات منطقتنا، وتلك نقطة شديدة الأهمية اجتماعيًّا وسياسيًّا، وتُراقب عن قرب، سواء من الغرب أو الشرق.

مع هذين العنصرين هناك سؤال آخر عن إمكانية أن يلعب الشرق الأوسط دورًا ما فى الصراع القادم بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

هذه العناصر طائرة فى أجواء التفكير الإستراتيجى عن منطقتنا، لكنها لا تجيب عن ذلك السؤال الجديد؛ عن ما الذى تريده أمريكا من العالم العربى فى المستقبل المنظور. حتى الآن آمريكا لا تعرف بالضبط.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن