هناك اهتمام غربي، خاصة أوروبي، بما بدأ يُعرف الآن بدبلوماسية اللقاحات: فكرة أن هناك جوانب سياسية خلف أية لقاحات لفيروس كورونا يتم توفيرها فى أية دول.
الرؤية الأوروبية ترى عدة عوامل:
أحدها: أن اللقاحات الرئيسية فى العالم الآن، واحد أمريكي، والثانى أمريكي- بريطاني، والثالث صيني، والرابع روسي. صحيح هناك لقاح ألماني، ومحاولات قريبة من النجاح لإنتاج لقاح فرنسي. لكن بحصص الإنتاج والتوزيع، فإن أوروبا غائبة عن تقديم ما يمكن أن يكون الحل لأكبر مشكلة صحية تواجهها البشرية منذ عقود. وبالطبع الآن، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأورربي، فإن اللقاح البريطانى لا يعتبر أوروبيًّا.
الثاني: أوروبا ترى أن كلًّا من روسيا والصين يستخدمان لقاحهما كأداة دبلوماسية لكل منهما لتقوية علاقتها بدول مختلفة. بمعنى أن أوروبا ترى أن الدولتين تقدمان نفسهما، من خلال اللقاحات، كمنقذين وأصدقاء عند الشدة. والعالم العربى من المناطق التى ترى أوروبا أن الصين وروسيا حققتا فيها نجاحات فى هذا المجال.
الثالث: ذلك التموضع الصيني والروسي، فى مقابل غياب أوروبي، يقلل من صورة أوروبا فى تلك الأماكن. والموضوع أكبر من مجرد شكليات. ذلك أن المشروع الأوروبي قائم على فكرة تقديم أوروبا كمثال للنجاح الاجتماعى أمام الدول الطامحة للانضمام للاتحاد الأوروبي، والدول الطامعة فى اتفاقات تجارة مع أوروبا (وهى أكبر وأغنى سوق فى العالم). ولذلك فإن سمعة وصورة أوروبا فى غاية الأهمية للمشروع الأوروبي؛ ليس فقط فى جواره الشرقى (القوقاز وروسيا ودول مثل أوكرانيا)، وجواره الجنوبى (العالم العربي)، ولكن أيضًا فى جنوب أوروبا نفسها (فى البلقان حيث هناك صراع إستراتيجي بين المشروع الأوروبي والنفوذ الروسي القديم، والنفوذ الصيني الذى بدأ يظهر فى عدد من الدول هناك).
الرابع: هناك قلق أوروبي مما يُعرف بسيادة النتيجة النهائية. والمقصود أنه بالرغم من أن الوباء بدأ فى الصين، وكانت تلك فى صورة سيئة أمام العالم طيلة الأشهر الأولى للوباء، لكن التطورات التى حدثت فى العام الماضي، ومنها تطوير اللقاحات المختلفة، غيّر من الصورة العامة للأوضاع. والآن الصين تبدو وقد سيطرت على الوضع، وروسيا تبدو فى حالة استقرار وقدر معقول من العودة للحياة الطبيعية، بينما أوروبا تظهر أمام المتابعين فى كل أنحاء العالم، مصابة بشلل اجتماعى واقتصادى مترتب على عدم قدرتها على السيطرة على الفيروس. والقلق الأوروبى أن ذلك الوضع يزيد من ضعف صورة أوروبا، بينما الصين وروسيا تبدوان فائزتين فى السباق للخروج من تلك الجائحة.
الخامس: هناك اهتمام فى دوائر الأمن الأوروبية بالجوانب اللوجستية فى تقديم اللقاحات. ذلك أن هناك تصورًا بأن الصين وروسيا استطاعتا فى عدد من الدول الحصول على تسهيلات تخزين وتوزيع للقاحات، تعطيهما تلك التسهيلات نظرات من الداخل على هياكل البنية التحتية فى تلك الدول. وتلك المعلومات ذات فوائد عندما تكون هناك صفقات كبرى فى عدد من القطاعات الاقتصادية الإستراتيجية.
والذى حدث أنه عندما قامت بعض الأصوات الأوروبية الهامة بالتحذير، فإن مسئولين فى عدد من الدول التى اقتربت من الصين ومن روسيا من خلال دبلوماسية اللقاحات، عبّروا لأوروبا عن عدم رضاهم على أدائها تجاههم، مقارنة بالمساعدات التى قدّمها الأصدقاء الروس والصينيون. وقد كان التعبير أحيانًا بلهجاتٍ رآها الأوروبيون أقوى مما تعوّدوه من تلك الدول.
السباق نحو اللقاحات ما زال فى أوله. ومن المؤكد أنه سيستمر لسنةٍ أو أكثر فى أغلب الدول النامية. ذلك السباق لن يغير من واقع السياسة والاقتصاد، ولن يغير من موازين القوة. لكن غالبًا ستكون له تداعياته على بعض الجوانب فى السياسة الدولية.
* كاتب مصرى مقيم فى لندن