خواطر مفكر لا يفكر
أكتب فى أول يوم فى السنة وذهنى شارد بين خريطة أتأملها وحصيلة قراءات ومعارف تراكمت. الخريطة هى خريطة العالم وتقول لى مصر فى حاجة إلى حلفاء لمواجهة التحديات المقبلة. حصيلة القراءات والمعارف تذكِّرنى بنقاط قوتنا وضعفنا وبما يمكن أن يقال ضد أى حلف ننخرط فيه. وتنهال التساؤلات… هل ننهض قبل الدخول فى أى تحالف؟ أم ندخل فى تحالف ليعيننا على النهضة؟ هل لدينا ما نعطيه؟ ما الذى نريده من غيرنا؟ ثم كلمة «نحن» تحتاج إلى تحديد. هل نحن تعنى الدولة أم (فصائل من) الشعب أم الاثنين معًا؟ ثم ماذا تعنى كلمة «تحالف»؟ أراقب نفسى، ومن الواضح أن تعريفى لها ليس دقيقًا. باختصار أريده وهذا وهم تحالفًا يسمح لى بالحفاظ على شخصيتى مع تغيير بعض أو الكثير مما فيها. وتحالفًا يعيننى على حل مشكلاتى الاقتصادية، وتحالفًا لا يعتبرنى تابعًا بل فاعل أساسي. فأنا فاعل أساسى نظرًا لوزنى السكانى والعسكرى وتراكم مهارات لدى الدولة ووزنى التاريخى. والأكثر غرابة أننى أريد تحالفًا يسمح لمصر بالاحتفاظ بعقولها، ببناء مؤسسات علمية وأخرى اقتصادية تتسع لها ولعملها وإنجازاتها. وعلى مستوى تخصصى- العلوم الاجتماعية- أريد مؤسسات تجمع بين تراث الأمة وأمهات كتبها، وبين الحداثة الغربية، تاركة هرتلة ما بعد الحداثة لأهلها. لا أقول إن تراث الأمة والحداثة على توافق، بل أراهما مشتبكين متصارعين، ولكنه اشتباك وصراع قد يؤدى إلى تقدم كل منهما. وأريد خطابًا سياسيًّا مختلفًا… ومن ثم خطابًا مختلفًا عن التاريخ… خطابًا يفهم أن الاكتفاء الذاتى لم يعد ممكنًا؛ لا فى الغذاء ولا فى غيره. خطابًا يعلم أن الاعتزاز بالهوية المصرية (والإسلامية والعربية والقبطية) لا يعنى تحقير باقى القوميات والهويات. خطابًا يتحدث عن الممكن فى الحاضر- طبعًا هناك من سيقول إن هذا الطلب فى حد ذاته يناقض نفسه لأنه يطالب بغير الممكن. خطابًا لا يطالب بالقمع، خطابًا لا يرى فى الاختلاف خيانة. خطابًا يترجم كل هذا إلى ممارسات، وخطابًا يحترم العقل. وعندما أقول هذا فإننى أقصد مثلًا أننى أريد خطابًا لا ينكر الصعوبات أمام تحقيق برنامج، ولا يدّعي أنه يمكن جمع ما لا يمكن جمعه ويعرف ما هى موازين القوة ويدرك تبعات ما يقوله. طبعًا هذا الخطاب أو بعضه موجود وبقوة، ولكنه موجود أولًا إما على الصعيد الشخصى أو فى دوائر مغلقة، قد تكون دولتية أو لا، لو لم يكن موجودًا لكتمت ما فى نفسي، ووصفت كلامى بالحلم فى وقت اليقظة، وهو موجود ثانيًا بطريقة تثير الاستغراب، أوظف هذا الخطاب ضد الخطاب الأسطورى الذى لا يعجبني، ولكننى أنساه تمامًا عندما يتعلق الأمر بالأسطورة التى أتمسك بها. الخطاب الأسطورى له عندنا سند قوى جدًّا؛ وهو فهمنا، أو بمعنى أدق عدم فهمنا للتاريخ، وجهلنا به جهلًا مريعًا. التاريخ عندنا هو مجموعة أبطال حققوا ما لم يحققه أحد، أبطال خارقين لا نعرف كيف ظهروا- نقول إنهم الأبناء الحقيقيون لحضارتنا على عكس الباقى منا- ونرفعهم إلى مصافّ الآلهة، أبطال لا عيوب لهم، هم الذين يصنعون القوة التى تساندهم وليس العكس، ويحققون المستحيل لأن إرادتهم طاهرة وجبارة وينشئون أنظمة سياسية لا عيوب لها (ولكنها انهارت بعد هذا).. إلخ. وفى المقابل أعداؤنا أشرار لهم نظام مبنيّ على باطل ولا تاريخ لهم جدير بالدراسة الجادة ولا فائدةَ تُرجى من محاولة فهم عقلياتهم. أتوقف هنا لأعود إلى نقطة انطلاق أحلامى وهى حاجتنا إلى حلفاء. هل أريد ما أحلم به لأكون حليفًا قويًّا؟ أم أتصور أن مقتضيات الانخراط فى حلف ستدفعنى إلى هذا التحول؟ لماذا ربطت بين الاثنين؟
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية