عن جدلية الحرية والطاعة
فى المقالين السابقين تناولنا العلاقة بين الحرية والطاعة قائلين إن إقرار مبدأ الحرية المطلقة هو إقرار لمبدأ عدم المساواة؛ لأن حريتى المطلقة تنتقص من حرية غيري، وقلنا إن الحرية تتوقف عندما تبدأ حرية الآخر، أى أنها مقيدة، وسألنا: من يقيدها وكيف، ثم كيف يتم إضفاء الشرعية عليه وعلى سلطته… وعرضنا فى إيجاز لبعض الحلول.
والحلول التى عرضنا لها- الدين أو المتغلب أو مزيج من الاثنين- لم تختفِ مع الحداثة الأوروبية، إلا أنها طرحت حلًّا جديدًا وجذابًا، إلا أنه يثير العديد من المشكلات قد يكون حلها مستحيلًا.
الطرح الحديث ظهر تدريجيًّا، ونحاول عرضه بإيجاز، فى أول الأمر ظهرت البروتستانتية، وتبِعها اندلاع حروب أهلية بالغة الشراسة بين أبناء المذاهب، وكردّ فعل على هذه الحروب ظهرت الدولة الحديثة، فى النظرية والتطبيق. وهى دولة قوية قادرة على الحد من نفوذ رجال الدين. ونظر لها المفكِّر البريطانى توماس هوبز، وفى الواقع كل كلامه فى كل المجالات هام، ولكننا نكتفى فى هذا الصدد بما يأتى. التاريخ يثبت أن رجال الدين عاجزون عن التوصل إلى إجماع حول تفسير واحد للدين، ومن ثم على كيفية تأسيس الحكم، واختلافهم المستمر حامل للفتن، لذلك وجب طرح صيغة أخرى؛ هى العقد الاجتماعى بين كل الأفراد، فالأولوية هى لمنع حروب الجميع ضد الجميع، ولذلك يتفق الجميع على مقايضة بعض أو الكثير من حرياتهم مقابل الأمن، أمن يكفله حاكم، ودولة تحرس الأمن وتحدد التفسيرات المقبولة للدين؛ وهى تلك التى تسمح بالتعايش بين الجميع وتطلب من الجميع طاعة مطلقة، وفى المقابل تضمن للكل الحق فى الحياة فى سلام وأمان.
يثير طرح هوبز العديد من المشكلات أدركها وتعامل معها، أهمها أن طرح العقد الاجتماعى هو عقد ديمقراطى بامتياز، فالكل مشارك فى صنع الأسس التى يقوم عليها الحكم والدولة، ولكن هوبز كان رافضًا لتبِعات هذا الطرح، مفضلًا دولة ملكية تحكم حكمًا مطلقًا، فخصَّص صفحات طويلة لبيان عيوب خيار الديمقراطية التمثيلية.
هوبز بالغ فى توسيع سلطات الدولة والحاكم، ويفسّر هذا بشراسة الحروب الأهلية والتعصب الدينى أيامه. وعلى العموم احتفظ خلفُه بفكرة العقد الاجتماعي وبمبدأ مقايضة بعض الحقوق مقابل الأمن، وإنْ وسّعوا من دائرة حقوق المواطن وأقرّوا مبدأ حرية الاعتقاد والأديان، وقيّدوا سلطات الدولة فى التضييق على الحريات وفى فرض أو رفض أديان وتفسيرات دينية.
استمر مبدأ هذه المقايضة سائدًا بلا منازع إلى أن ظهر روسو. أولًا نشير إلى أننا نعتمد فى تحليل فكره على أعمال الفيلسوف عيشايا برلين، وبعد ذلك نقول إن روسو كان رافضًا لفكرة المقايضة، أي تنازل عن قدرٍ ولو قليل من الحرية، هو تنازل عن الحرية كاملة، وهذا لا يصحّ؛ لأن فكرة يوم الحساب تقتضي حرية الإنسان. وفى الوقت نفسه كان روسو متزمتًا فيما يتعلق بالأخلاق لا يبدي أي مرونة ولا تسامح، والتناقض واضح بين النزعتين… رفض التنازل عن قدر من الحرية والتزمت فى تعريف الأخلاق..
حلّ روسو التناقض كالآتي، فى صيغة كُتُب لها تأثير عميق على الحركات الثورية، قال إن الإنسان لا يفقد أي قدر من حريته عندما يكون هو صانع القانون الذى ينظم الحياة فى المجتمع، أي عندما يكون هو صانع القيد الذى يقيد حريته. فهو لا يطيع سلطة خارجية بل يطيع نفسه. هو الذى يأمر نفسه بتقييد نفسه. أى هو حر لأنه يحكم نفسه حكمًا ذاتيًّا.
المشكلة الجسيمة فى هذا الطرح أنه يفترض أن الشعب كله (لأن كل عضو منه وضع القانون) على صوت واحد، وتبعات هذا الفرض جدّ خطيرة.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة