جدلية الحرية والطاعة
لا أحب الخوض فى قضايا فلسفية معقدة دون تحضير، ولكننى قررت ألا ألتزم بهذه القاعدة هذه المرة. ما حثنى على الكتابة هو كتابات صديق من أبرز مثقفى مصر.
نلاحظ أولاً أن هذه الثنائية ليست الوحيدة الممكنة عندما نخوض فى قضية الحرية… الفلاسفة أقاموا ثنائية الحرية والقهر، الحرية والضرورة، الحرية والقيد، الحرية والأمن.. إلخ.
قد تحتاج ثنائية الحرية والضرورة إلى شرح للقارئ، وفقاً لأحد العمالقة يمكن القول أن أمور الطبيعة (بمعنى الكون) تخضع عامة لقوانين ثابتة، الشمس تشرق فى الشرق، التفاعلات الكيميائية لها قوانين، أما الأمور البشرية فمبدؤها الحرية، أستطيع أن أذهب يميناً أو يساراً، أتزوج أو لا أتزوج… إلخ. والإنسان «له رجل» فى العالمين. عالم أمور الطبيعة وعالم أمور الإنسان. ومن ثم فهو حر ولكنه يخضع للضرورة. بمعنى أنه لا يستطيع ألا يأكل، لا يستطيع أن يطير… إلخ.
وقال فيلسوف آخر إن تاريخ البشرية ما هو إلا تاريخ نضالها من أجل الانتقال من مملكة الضرورة والعوز إلى مملكة الحرية. فى العصور البدائية الإنسان لم يكن حرا، عليه أن يخصص أغلب وقته للعثور على طعام وكساء وسكن، فهى لا تتساقط من السماء، والتاريخ هو محاولة الإنسان السيطرة على الطبيعة ليكون الوقت المخصص لتلبية الحاجات الضرورية قليلاً جدا ليتفرغ هو لإطلاق طاقاته. طبعا هذا الفيلسوف هو كارل ماركس، وطبعا هذا العرض مبسط فلم أتناول مثلا مبدأ المادية الجدلية والتناقضات التى هى محرك الطريق، أشير هنا فقط إلى كون العمل فى نفس الوقت تحريرا وإطلاقا للمواهب، وعبودية تقلل من القدرات الذهنية… لأن القدرة على العمل تتحول إلى سلعة تباع وتشترى.
وقبله قال آخر إن الإنسان يولد حرا ولكنه فى كل مكان مكبل بالقيود، وسخر البعض من البنية المنطقية للجملة ولكن قصد القائل أن الإنسان لا يكون إنسانا إلا وهو حر، وأن أى انتقاص من حريته هو انتقاص من كونه إنساناً، وقصد أيضا أن الحياة فى المجتمعات الموجودة أيامه أيا كانت تكبل الإنسان بقيود تنتقص من إنسانيته. وقال هذا – هو روسو- إن الإنسان يحاسب لأنه مسئول عن أفعاله، أى حر، كيف يمكن محاسبة إنسان كان مجبرا على فعل ما فعله؟ وهنا تبرز مشكلة الطاعة.
قبل أن نخوض فيها نشير إلى أن الإغريق كانوا يلجئون إلى مصطلحات عديدة يتميز كل منها عن غيره لتسمية ما نسميه نحن السلطة أو علاقات السلطة. أحد هذه المصطلحات كان يعنى أن هناك من يطاع «طبيعيا». بمعنى أن الآمر والمطيع يعرفان أن على المطيع الطاعة، وأن الآمر ليس بحاجة إلى التلويح باستخدام القوة لإجباره على هذا ولا إلى شرح قراره لإقناع المطيع.
وللإغريق تعريف للحرية أراه دقيقاً ومؤصلاً للمشكلة. الحرية أن تفعل ما تريد وأن تذهب حيث تريد أن تذهب، هذا التعريف يوضح المشكلة… لا يمكن أن يتمتع الجميع بالحرية. إن كان من حقى دخول أى شقة دون استئذان قاطنها فأنا حر وهو ليس حرا. قبل الإغريق هذه النتيجة ولكن المحدثين يؤمنون بالمساواة، ولذلك أضافوا أن الحرية «تتوقف» عند حدود حرية الآخرين.
ولكن معنى هذا ونتيجته الحتمية أن العلاقة بين الحرية والطاعة أكثر تعقيدا مما كنا نتصور. على كل منا احترام حرية الآخر. وقد لا يعجب هذا التقييد من هو قوى فلا يلتزم به. والنتيجة واضحة: إما أن نقر مبدأ عدم المساواة، وإما نقبل تحول الحياة فى المجتمع إلى صراع دائم، وإما أن نقبل فكرة وجود سلطات تفرض الطاعة على الجميع. وفى الواقع لا يوجد مجتمع دون وجود سلطة. ولكن وجودها يعيد طرح مشكلة المساواة.
يتبع
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية