عن معرفة النخب
بداية لا أزعم أن كلامى اليوم مبني كله على أسس علمية، فالكثير منه انطباعى، إلا أننى لا أنفرد به.
النخب الغربية تتصور أنها ديمقراطية، ولهذا التصور تبعات ونتائج، بعضها إيجابى وبعضها سلبي، ولكنها تجمع بين هذا التصور وتصور آخر… أنها تحتكر المعرفة والعلم والأخلاق وفهم أصول السياسة والاقتصاد والقانون. وأن هذه المعرفة هى أساس أو أحد أسس شرعيتها، أى أنها تتصور أنها جمعت بين مقولات أفلاطون الذى رأى أن النظام الأمثل هو ذلك الذى يمكَّن الفيلسوف الحكيم من الحكم دون محاسبة، وبين النظام الديمقراطى القائم على حكم الشعب. واكتشفت فى العقد الماضى أن فصائل كبيرة من الشعوب غير مقتنعة بأدائها وبحسن فهمها للأمور.
وللعلم هذه الفصائل أكبر عددًا من عدد الأصوات الذى يذهب للأحزاب الشعبوية أو للأحزاب المتطرفة التى «لا تصلح للحكم»، فالكثيرون ينتخبون أحزاب النخب التقليدية رغم استيائهم منها وانتقادهم الحاد لأدائها ولبعدها عن الناخبين.
كل معارفى فى فرنسا من أصحاب هذا التشخيص الأخير على اختلاف مشاربهم، ولا أحد منهم يعطى صوته للأحزاب الاحتجاجية، لإدراكهم خواء برنامجهم.
السؤال المطروح اليوم… هل هذه النخب تملك وتحتكر فعلًا المعرفة كما تدعي؟ أداؤها لا يوحى بهذا. الرد على السؤال يفوق طاقاتى، ولكننى أستطيع أن أقترح عدة إجابات، وكلها تنتهى إلى عدم توافر هذه المعرفة لدى النخبة. أولها أن المعرفة تشعبت وتنوعت، وكلما تعمقت أثبتت فى آن واحد ضرورتها وعجزها. ضرورة الاستماع إلى رأى العلماء واضحة. ولكن العلماء يختلفون كثيرًا فيما بينهم… مثلًا فى كيفية إدارة أزمة الكوفيد… أو فى أولويات سياسات التسليح والبحث العلمى المرتبط به… أو فى إدارة الاقتصاد… وعند اختلاف العلماء يُطْلب من القائد السياسى التفضيل… وهو غير مؤهل إلا فى بعض التخصصات. وطبعًا ستتدخل عوامل أخرى فى قراره… أيديولوجيته ومدركاته والمصالح التى يمثلها وحساباته الانتخابية.
يمكننا أيضًا اللجوء إلى تحليلات ماركسية لنقول إن العلوم الإنسانية والاجتماعية ليست محايدة وأن انحيازها يفسدها فسادًا لا يمكن معالجته. أولا الحياد ليس حيادا بل قبول بالأمر الواقع. وبالمناسبة هذا القبول ليس خيرا كله ولا شرا كله، وثانيًا يثبت التاريخ أن «الرأى الراجح عند أهل العلم» يتغير مع طبيعة وتطور النظام الاقتصادى العالمي… فى القرن التاسع عشر، العلوم الاجتماعية كانت تتغنى بفضائل الظاهرة القومية، واليوم تميل إلى اعتبارها شرا مبرما، ويمكن تفسير هذا التطور بدور النعرات القومية فى إشعال الحربين العالميتين، وهذه الحجة كلمة حق قوية يراد بها باطل، ويمكن تفسير هذا التغير… بضرورات العولمة ونمو الرأسمالية العالمية، الدولة الأمة كانت درعًا فيما مضى، وأصبحت عند الرابحين من العولمة عائقا.
وهناك تفسير مرتبط بتاريخ الفكر الغربى وبتراجع الفلسفة والفكر السياسى لحساب العلوم الطبيعية، العلوم الطبيعية تصورت لفترة طويلة أن العلم يستطيع أن يحسم ويؤكد، وساد هذا التصور فى عقول الجميع، بمن فيهم المتخصصين فى العلوم الإنسانية، والسعى إلى الرأى المؤكد والحاسم فى مثل هذه العلوم هو طلب المستحيل، ما هو ممكن هو كلام تكون نسبة احتمال صحته مرتفعة جدا. وطبعا عندما يتعلق الأمر بمستقبل البلاد ومصائر الشعوب يكون هذا العجز محبطًا،
وهناك أزمة ملازمة لهذا الوضع، وهى أن السعى الدءوب إلى العثور على حل علمى حاسم يؤدى إلى ترك سؤال الشمول والتصور الكلي، لأنه لا يوجد تصور «علمى» حاسم للصورة الكلية. إدراك هذا ضروري، ولكنه أدى إلى ترك سؤال الوضع الكلى وهو أيضًا ضروري.
مقاربة أخرى تقوم على رصد معارف نخب وتقييمها، نخب الإتحاد الأوروبى قوية فى الاقتصاد والقانون، ولا تفهم السياسة ولا الأديان ولا الفلسفة… يتبع
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية