خواطر مواطن مهموم (63)

خواطر مواطن مهموم (63)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:32 ص, الأحد, 8 نوفمبر 20

الولايات المتحدة.. الكل مذنب

أترك عراب الجهاديين لأتناول أزمة الانتخابات الأمريكية ، وما يدفعنى إلى الكلام عنها هو حادث فريد.. وسائل الإعلام تقطع الإرسال بينما رئيس الجمهورية يتكلم، داعمة بفعلتها ما يقوله.. من أن الدولة العميقة تحاربه وأن النخبة الليبرالية تلجأ إلى كل الوسائل لإسقاطه.

يدافع أنصار قرار الإعلام عنه قائلين إن خطاب الرئيس ترامب تبنى نظريات مؤامرة، وهذا من حقه، على عكس ما يقولون، ومبني على أكاذيب، وهذا من حقه، والمشكلة فى أنه يحض أنصاره على «الوقوف» للمقاومة… فى دولة يمتلك فيها الكثيرون أسلحة. الرئيس ترامب إذن لا يتورع عن المقامرة بالسلام الداخلى وبحرب أهلية لإنقاذ حكمه.

والحق يقال هذه الحجة قوية جدا، ولا سيما أن المجتمع الأمريكى مجتمع عنيف، ونصفه أو ثلثه غاضب غضبًا عارمًا، ولذلك سأدافع عن القرار، ولكننى أدعو من اتخذه إلى التفكر.. لا يمكن وصف هذا القرار بالديمقراطى، فهو يسكت صوتا. ومن ناحية أخرى عليهم الاعتراف بأن القرار يبدو لمن لا يعرف المجتمع الأمريكى قرارا تسلطيا منافيا لأصول الديمقراطية ومهنة الصحافة، سيرد أصحاب القرار ومناصروه.. أهل مكة أدرى بشعابها، وسيكونون محقين… أقولها وأنا لا أحب بايدن والنخب الليبرالية وإعلامها، ولكننى سأدعوهم إلى تذكر هذه الحكمة قبل أن يوجهوا الاتهامات يمينا ويسارا ومن فوق، ومن تحت، لنا ولغيرنا.. هذه الأزمنة الحاملة للعولمة حملت فى طياتها أشباح الحرب الأهلية والفتن.

المعترضون على القرار سيقولون.. هذا القرار يفترض أن الشعب، أو قطاعات كبيرة فيه، غير ناضج وناقص عقل ويسهل التلاعب بمشاعره.. من أنتم لتقولوا هذا؟ وكيف يمكنكم افتراض ذلك والزعم بأنكم تؤمنون بالديمقراطية؟ وسيكونون محقين. لا شك فى كون قرار قطع الإرسال قرارًا مشينًا وفقًا للمعايير الديمقراطية التى يتشدق بها الليبراليون.

سؤال مهم، هل عدم الثقة فى ناخبى ترامب وفى قدرتهم على تقبل هزيمته مبررة؟ السؤال يفترض معرفة للمجتمع الأمريكى لا أملكها، ولكننى سأسلم جدلًا أنها مبررة، على الأقل فيما يتعلق ببعض القطاعات المسلحة والغاضبة، وهنا يفرض السؤال التالى نفسه.. من المسئول عن هذا الغضب؟ وهنا سأقول إن الليبراليين يتحملون نصيبًا كبيرًا من المسئولية.

لا أقولها دفاعا عن الرئيس ترامب فحكمى عليه شديد السلبية، لا سيما بعد إدارته الكارثية لأزمة كوفيد، فهى خير دليل على انعدام كفاءته. ولا أقبل لعبه بالنار الحالى، وهناك تساؤلات ورفض مشروع لحصاد سياساته فى الشرق الأوسط. من يهمنى ليس الرئيس ترامب، بل بلدى أولاً وثانياً وثالثاً، ورابعاً القطاعات الواسعة التى تنتخب التيارات الشعبوية لأنها تضررت من العولمة ولأنها تطالب بدولة قومية قوية تحميهم وترعاهم وتهتم بهم. هؤلاء يستحقون ممثلًا أفضل من الرئيس ترامب ومن نظرائه فى أوروبا.

لا أريد أن أحصى أخطاء الليبراليين فهى لا تعد ولا تحصى، والمعارضة للرئيس ترامب لم تكن بناءة بل تخريبية، ما أريده هو شرح أزمة الديمقراطية فى العالم ودور الليبراليين فيها. أنطلق من تشخيص بالغ الأهمية لكاتب بريطانى هو ديفيد جودهارت، هو يرى أن العولمة قسمت المجتمعات إلى فئتين.. هناك من ناحية من يستطيع أن يعمل فى أى مكان فى الدنيا، لأنه يحمل مؤهلات جامعية مطلوبة ومعترف بها دوليا، ولأنه يتحدث لغات متعددة ولأن متوسط دخله يجعله أقل حاجة إلى حماية اجتماعية، ومن ناحية أخرى فهناك من يحتاج إلى العمل فى بلده أو فى بلد تشبهها تماما، فهو لا يحمل شهادة معترفاً بها دوليا، ولا يتكلم إلا لغة وطنه، واطلاعه على أحوال الدنيا محدود، ويحتاج إلى خدمات دولة الرفاة. الفريق الثانى يمثل ثلث إلى ثلثى المجتمعات الغربية، وصوته غير مسموع، وطلباته غير مجابة.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية