خواطر مواطن مهموم «55»

خواطر مواطن مهموم «55»
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

8:01 ص, الأحد, 13 سبتمبر 20

المشيئة الإلهية والثورة المصرية

رغم الترتيبات السياسية كانت فرص نجاح حركة الضباط ضئيلة جدا. كان عدد القوات التى يسيطر عليها ضباط ينتمون إلى التنظيم والتى تتواجد فعلا فى القاهرة أقل بكثير من عددها فى يناير 1952. يوسف منصور صديق اعتمد على طلائع كتيبته للتحرك… القوة الضاربة لها لم تكن وصلت بعد إلى العاصمة. جمال عبد الناصر وزكريا محيى الدين كانا أستاذين فى كلية أركان حرب ولم يقودا قوات. عبد الحكيم عامر كان يخدم فى سيناء.

هناك إجماع على الدور الحاسم للحظ فى إنجاح الثورة. عبد الناصر وزكريا محيى الدين قدرا أن احتمالات النجاح فى حدود 10 أو %15. ميزان القوى لم يكن فى صالح التنظيم، ولا سيما فى القاهرة، وكان بعض أعضائه يعلم هذا وفضّل التخلف وعدم المشاركة. الدافع الرئيس للتحرك هو تحديد الأمن لأسماء أغلب القادة والأعضاء.

علم القصر بوجود تحركات واجتمعت قيادة الجيش لبحث الإجراءات والتدابير الضرورية للتصدى. لأسباب غير واضحة تحرك يوسف منصور صديق مبكرًا انطلاقًا من الهاكستيب ووصل إلى مركز القيادة وأغلب القادة هناك. وقبض عليهم، وبهذه الضربة غير المخطط لها شل التنظيم أنصار القصر. بصفة عامة يمكن القول إن الحظ ساعد التنظيم أثناء عمليات الاستيلاء على القيادة والتحكم فى المحاور الرئيسة للعاصمة ولكنه عقد مهمته فى أحوال أخرى. على سبيل المثال لا الحصر، لم يعلم أعضاء التنظيم فى الإسكندرية بميعاد التحرك، ومن ثم لم يضطلعوا بمهامهم.

ما يهمنى هنا هو قراءات الفاعلين والمشاركين والمحللين لدور الحظ، ومن ثم المشيئة الإلهية. الضباط المشاركون رأوا فى كل تطور غير متوقع يلعب فى صالحهم دليلًا لا يقبل النقض على تأييد الله سبحانه وتعالى لهم٬ وفى كل صعوبة ظهرت فجأة مجرد مشكلة فنية لا تعنى شيئًا.

وكان بين أقطاب التنظيم ضابط اعتقد كل زملائه أنه حريص بل «خواف»، وأمضى هذا الضابط الأسبوع السابق للتحرك صائمًا يتوسل عون الله. وفى ليلة الثورة فاجأ الجميع بشجاعة فائقة وقدرة على اتخاذ قرارات سريعة وصائبة وكأنه تحول فجأة إلى أسد. كان أحد نجوم الليلة.. وطبعا نسب الكل هذا التحول المبهر إلى معجزة إلهية.

كل الفرقاء يعترفون بأن موازين القوة كانت ضد التنظيم وأن النجاح لم يكن مكتوبًا مضمونًا سلفًا، أعداء الثورة يشددون على تلك النقطة إما للتحقير والتقليل من شأن الضباط ولتقديمهم على أنهم قامروا وحالفهم الحظ وظلوا يقامرون إلى أن خربوا البلد٬ وإما لنسب نجاحهم إلى مؤامرة كبرى للمخابرات المركزية الأمريكية٬ وإما لتعظيم دورهم هم فى إنجاحها… أتحدث طبعًا عن الإخوان.. فهم يقولون إنه لولاهم لفشلت الثورة وأن ناصرا كان غدارا ناكرا للجميل بينما الحقيقة أكثر تعقيدا.. تأييد الإخوان لم يكن لوجه الله وكان مهماً ولكنه ليس حاسمًا وكان لكل طرف حساباته قد أعود إليها.

والضباط الأحرار من ناحيتهم يشددون على دور الحظ لأسباب تناقض أسباب الآخرين. فهم يقولون… أقدمنا على الخطوة رغم خطورتها علينا ورغم أن ميزان القوة ضدنا. توقعنا الفشل ولكننا أردنا أن نثبت للتاريخ أن مصريين قالوا لا للظلم والذل. ولم ننجح إلا بفضل الله سبحانه وتعالى الذى تدخّل لصالحنا ومد لنا يد العون مكافأة منه على صدق نوايانا، هذا الكلام تسمعه على لسان أو تقرؤه منسوبا لكل من تكلم… بمن فيهم المحسوبون على الماركسية.

منذ أكثر من ثلاثة قرون كتب رجل دين بروتستانتى كتابا مهماً يشجب ميل الأفراد والشعوب إلى تصوير الأحداث التاريخية والحوادث والكوارث الطبيعية وكأنها رسالة إلهية يستطيع البشر فك شفرتها. ما يلحق بفرد أو بقوم من أذى يراه البعض امتحانًا ويراه الغير عقابًا.

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية