خواطر مواطن مهموم «52»

خواطر مواطن مهموم «52»
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:53 ص, الأحد, 23 أغسطس 20

نستطيع أن نقترب من شخصية جمال عبد الناصر ومن تجربة نظام يوليو انطلاقًا من زوايا متعددة. بعضها فجة وليست بالضرورة خاطئة، وبعضها شديدة التعقيد.

عرفت رجال قانون رأوا فى الثورة حلول نخبة عسكرية محل نخبة قانونية فى موقع ريادة البلد وعلى سطحية هذا الطرح فهو يشير إلى حقائق هامة. منها مثلًا أن الثقافة الاستراتيجية للنخب الجديدة كانت أعمق وأشمل وأكثر فهمًا لحقائق القوة الصلبة والناعمة وللعلاقات الدولية ولعواقب التأخر التكنولوجي٬ وأشار دبلوماسيون بريطانيون آنذاك إلى هذا قائلين أنهم وجدوا أنفسهم لأول مرة يواجهون مفاوضين مصريين جادين. ورغم مصيبة هزيمة 67 علينا ألا ننسى أن ناصرًا كان استراتيجيا من الطراز الأول أدار عدة أزمات بكفاءة نادرة.

وفى المقابل طبعًا تراجع مفهوم دولة القانون تراجعًا أضر بمسيرة النظام والوطن وبعلاقة المواطن المصرى بمجتمعه٬ عبد الناصر كان يرى نفسه فى حرب مصيرية ضد التخلف وضد أعداء داخليين وخارجين وكان يرى فى مفهوم قواعد عامة تنطبق على الكل وثابتة لا تتغير إلا تدريجيا٬ كان يرى فى هذا المفهوم قيدا يقيد حركته بلا داع.

ويذكر له أنه كان مدركًا لخطر مقاربته، فحرص دائما على وصفها بالمؤقتة٬ يلاحظ مثلًا أن كل دساتير مصر فى عصره مؤقتة٬ لأن مصر كانت فى تصوره فى مرحلة انتقال بين حالة متخلفة يسود فيها مثلث المرض والفقر والجهل إلى مرحلة أخرى، اعتقد هو – أعلم أننى سأصدم القارئ- أنها ستكون ديمقراطية بمعنى الكلمة٬ أى تعرف تداول السلطة بين أحزاب متنافسة وحرية تعبير للجميع.. إلخ. وأشار إلى هذا مرارًا فى اجتماعات لجان الاتحاد الاشتراكى… وقال مثلًا إن الديمقراطية ضرورية لمنع الفاسد المهمل للصالح العام من الاستمرار فى الحكم وأنها ستزداد ضرورة مع مرور الوقت.

طبعًا يمكننا السخرية من هذا الطرح انطلاقًا من حجج مختلفة وسأعمل على بيان ما فيه من عوار فى مقالاتى التالية٬ ولكننى أود قبل هذا أن أشرح مبرراته وسبب قبوله جماهيريا، وعندما أقول جماهيريا لا أستثنى الطبقات الوسطى ولا أقصد «من قبل الرعاع».

عبد الناصر كان لا يحب «ديمقراطية» النظام الملكى، لأسباب أهمها… أنها قائمة على افتراض أن المواطن الذى لا يملك قُوته والذى يعلم أن مصيره وأكل عيشه بيد مالك الأرض أو المصنع هو مواطن حر قادر على التعبير عن اختياره دون أى خوف… هذا الفرض لا أساس له من الصحة. بمعنى آخر.. المواطن لم يكن حرًا وكان مجبرا إما على اتباع أوامر سيده أو على بيع صوته. هذا الكلام يبدو ماركسيا أو مشابها لنقد ماركس لما سماه الديمقراطية الشكلية أو البرجوازية إلخ… ولكن ليس كل كلام ماركس كفرا.. وكان تحكم الأسياد فى أصوات التابعين واقعًا يرصده الجميع.

وكانت هناك مشكلة جسيمة أخرى وهى قدرة القوى الخارجية على تمويل أحزاب أو قوى أو رموز أو وسائل إعلام سياسية، لا نريد أن نغرق فى التفاصيل ولا أن نتهم بتصفية حسابات ونكتفى بالقول إن التهم كانت كثيرة وبعضها على الأقل يبدو صحيحًا… الظاهرة لم تكن مصرية فقط، بل هى داء أصاب دولًا أخرى فى المنطقة… هذا الحزب حزب لندن، ذاك هو حزب موسكو، هذا الصحفى عميل واشنطن الخ٬ ويلاحظ أن مصر أيام ناصر تخلصت من هذه الظاهرة عندها فى داخلها ولكنها وظفتها فى دول أخرى.

ومن ناحية ثالثة كانت الانتخابات تعانى آفة التزوير٬ سجل توفيق الحكيم صدمته فى «يوميات نائب فى الأرياف»، كلنا نعلم أن حزب الأغلبية الواضحة (وإن لم تكن كاسحة على عكس ما يقوله أنصاره) لم يفز إلا نادرًا بالأغلبية.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية