نعود إلى القضايا النظرية المتعلقة بأزمة القيادة فى العالم بعد أن تركناها، الأسبوع الماضى. فى اختصار نرجو ألا يكون مخلا نقول إن أغلب الدول الكبرى والمهمة تشكلت حول سلطة قوية شبه مطلقة تملك جيوشا. الملكية هى التى أسست كلاًّ من فرنسا والمملكة المتحدة والإمبراطوريتين الألمانية والروسية وإيطاليا الحديثة. وضع كل من الإمبراطورية العثمانية والولايات المتحدة مختلف قليلا، ولكن الآلية مشابهة… سلطة قوية لها جيش وتتمدد وتضم أراضى جديدة.
وفى مرحلة ما تختلف من دولة إلى أخرى طرح سؤال الحد من السلطة المطلقة. من ناحية وبعد محاولات استمرت عقوداً تم ابتكار نظام الديمقراطية التمثيلية. وهو نظام له مميزات متنوعة تسهم كلها فى تخفيف حدة الاحتقان الداخلى. وله عيوب نذكر منها أن هناك قطاعات شعبية تكبر أو تصغر لا تجد ممثلين لها، طغيان الأغلبية قد يكون أكثر استبدادًا من طغيان الفرد، وتفرز هذه الأنظمة، شأنها شأن أى نظام يدعى أن شرعيته مستمدة من الشعب، مشكلة القيادة، ولخصها المفكر الفرنسى البارز جان كلود مونود فى جملة بليغة… القائد هو مساو لأى مواطن ويشبهه ولكنه فى الوقت نفسه أعلى مقاما منه ومختلف عنه، لأسباب منها أنها يجسد الوطن. ويقول مونود إن هذه المعضلة تطرح سؤال الكاريزما وهى توافر صفات غير عادية تؤهل الشخص للقيادة ولتجسيد روح مجموعة ما ولتحقيق إنجازات يعجز عنها الشخص العادى. ويرى أن من يقول أن الزعامة الكاريزمية تنتمى إلى الماضى وإلى الاستبداد وإلى مجتمعات غير عقلانية غير عصرية، مخطئ تماماً. الكاريزما فى نظم الديمقراطية التمثيلية ليست بقايا فكر غيبى وماض بائد… هى ضرورة لحل معضلة كيف يكون الزعيم مواطنًا عاديا ومواطنًا غير عادى فى الوقت نفسه.
فى مجمله هذا التحليل لمونود تعديل أو هجوم على تحليلات أئمة علم الاجتماع ولكنه هجوم يعترف بفضلهم، والأهم من هذا ما يقوله المفكر بعد ذلك. فى عصر ما قبل الحداثة، الكاريزما كانت موهبة أو استعداداً أو بركة، فى عصرنا هذا وهو عصر الإعلام والتليفزيون والجماهير الغفيرة وما بعد الحداثة وما بعد الحقيقة، أصبحت الكاريزما مهارات يتم تلقينها واكتسابها. خبراء علوم الاتصال يشرحون للسياسى كيف يتحدث وما يرتديه من ملابس لتوصيل فكرة، وكيف يقدم نفسه ليرتبط اسمه بفكرة أو بمشروع أو بجملة أو بأى علامة تميزه، وباختصار بعد أن كانت الكاريزما صفة نادرة نابعة من أعماق الشخص تميز فعلًا صاحبها، أصبحت منتشرة فى متناول الجميع يتم اكتسابها كأنها مهارة تحتاج فحسب إلى بعض المذاكرة. يقول مونود إن هذا التطور نبع من مقتضيات التنافس الديمقراطى فى عصرنا هذا، ولكنه أفقد الكاريزما قيمتها وجردها من أى مصداقية. فالجمهور يعجز فى أغلب الأحوال عن التمييز بين الكاذب المتقمص لدور، والصادق، ويدرك فى المقابل أن أغلب السياسيين لا يعبرون عن حقيقة معتقداتهم وجوهر شخصيتهم بل يقدمون نفسهم كسلعة جذابة يجب شراؤها. باختصار تسليع الكاريزما كان ضروريا لأن امتلاكها ضرورى أو على الأقل ميزة حاسمة فى الديمقراطية المعاصرة… ولكن شيوعها وتصنيعها أفقدها قيمتها، حتى لو كان فرد ما يمتلكها حقا دون حاجة إلى تعلمها.
قد يكون مونود مبالغًا فهو – فى حدود ما قرأته أنا ومن الواجب القول إننى لم أنته من قراءة كتبه- يفترض أن الجمهور غير قادر على الفرز بين الأصيل والمصطنع وهذا الفرض يحتاج إلى إثبات، ولكنه لمس مشكلة تخص قضيتنا المحورية وهى أزمة القيادة فى العالم الغربى. تحويل الكاريزما إلى سلعة أثر سلبًا على الثقة بين الحاكم والمحكوم.
فى المقالة التالية نتناول آليات أخرى حجمت السلطة المطلقة قبل أن نعود إلى القيادة.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية