خواطر قابلة للدحض
بدايةً أبرر عنوان المقال… أهم نصيحة تلقيتها فى حياتى المهنية هي… قبل أن تكتب أى جملة، اختبر بجدية بالغة المقولة المضادة، وفى أغلب الأوقات ستجد أن مقولتك ليست صحيحة صحة مطلقة، وأن عكسها له وجاهة، ولو فى جزئيات.
هل أقول… العولمة أضعفت الغرب، فهى سمحت لآسيا بصفة عامة، والصين بصفة خاصة، أن ينهضا ويصبحا منافسين وندًّا يُعتدّ به. مقولة تبدو صحيحة تمامًا. ولكن الانتظار واجب، تأملوا مقولة تقول العكس… العولمة سمحت للغرب وثقافته بأن يدخلا فى كل البيوت، وأن يُحولا أهم الصحف والقنوات الإخبارية الأمريكية والبريطانية إلى المرجع الذى يقرؤه كل نُخب العالم، وأن يفرضا بسلاسةٍ معاييرهما، والكل بات طالبًا لتكنولوجيا الغرب مستخدمًا لها، السعال الأمريكى يصيب كل الاقتصاد العالمى بالمرض العضال.
المقولتان صحيحتان فى آن واحد.
أقول هذا لأننى أريد أن أشطح وأجازف وأقول إن العولمة تسببت فى تعميم الطائفية وضيق الأفق وقلة المعرفة والتفاهة، وحججى كالآتي… العولمة هددت كل الهويات، وحوّلت كل الأقوام إلى أقليات خائفة، ترى نفسها فى مواقع دفاعية معرَّضة لهجوم شامل قادر على اختراق حدود كل دولة، ودخول كل بيت، كل قوم يرون أنهم يدفعون فواتير ذنوب لم يرتكبوها، بل وقعت فى مسارح بعيدة عنهم تمامًا… إلخ.
أعرف تمامًا – على الأقل فى نطاق دوائر اهتمامى – التراكم الهائل للمعارف والبيانات والإحصائيات والبحوث الميدانية، ولكننى أزعم أن كل هذا تراكم معلومات وتحليلات ومقاربات جزئية، تُعمّق المعرفة من ناحية، وتُصعّب جدًّا رؤية الصورة الكلية من ناحية أخرى.
تأملوا ما هو المطلوب لقراءة المشهد الدولي، معلومات عن القانون الدولى وعن التجارة الدولية البرية والبحرية، وعن اقتصاد كل الفاعلين الكبار والمتوسطين، معلومات عن علاقات كل منهم بالدول المالكة للمواد الأولية، وعن الشركات الكبرى فى عدد من المجالات، معلومات عن البنية الاجتماعية لكل الفاعلين، وأهم التحديات والمشكلات ومدى قدراتهم على التعامل معها، معلومات عن البنية السكانية لكل منهم، معرفة بتاريخ كل منهم السياسى والاجتماعي، الثقافة العامة وعلاقتها بالأديان، والثقافة الإستراتيجية للنخب ومُدركات صانعى السياسات الخارجية وآليات صنع القرار فى كل منهم، القوى السياسية فى كل منهم، مستوى قواتهم المسلَّحة الحقيقى – العبرة ليست بالكم، آليات الحروب الهجينة والسيبرانية، إلى جانب إلمام كافٍ بالحركات الدينية والسياسية والإجرامية العابرة للحدود.
القصد… أتصور أن استحالة الإلمام بكل ما هو ضرورى لبناء تحليل معقول يؤدى إلى تعظيم دور التوجهات الشخصية وذات الباحث، ودور الانطباعات. معلوماتى الشخصية فى الاقتصاد متوسطة أو أقل، ما أسهل لى من إصدار فرمان أن الاقتصاد لا يهم. فلان أكاديمى بارز فى العلاقات الدولية، ولكنه لا يعرف الكثير عن الأنظمة والثقافات السياسية، ما أسهل من تبنّى بعض مذاهب المدرسة الواقعية فى العلاقات الدولية التى ترى أن المصالح الحيوية تؤطر ردود الدولة، أيًّا كانت مُدركات القائد، وأيًّا كانت بنية الدولة وآليات القرار.
للإنصاف، أغلب الأكاديميين البارزين يعتمدون على «دفتر تليفوناتهم»، أى أنهم يعرفون فى كل تخصص شخصًا كفؤًا يستطيع أن يشرح لهم أبعاد مشكلة ما يبحث فيها أهل هذا التخصص، لكن الصعوبات موجودة. إن كنت أعرف مثلًا ثلاثة متخصصين فى شئون الصين، وتعارضت أقوالهم وتحليلاتهم، مَن أنا لأقرر مَن منهم على حق؟ سأنهال على الكل بأسئلة متنوعة من زوايا متعددة لأختبر صلابة منطقهم، وتلعب الثقافة العامة دورًا فى صياغة أسئلة ذكية، وقد أنجح أو أفشل فى تكوين رأى سليم.
لا نستطيع فى عدد كبير من القضايا الاعتماد على الرأى الغالب فى أوساط المتخصصين، شاهدت، هذا الأسبوع، فيلمًا وثائقيًّا عن عملاق الشئون الصينية البلجيكى سيمون لايس، اليوم الكل يعرف فضله، الكل يعترف بعمق تحليلاته ودقتها، لكنه ظل لعقودٍ منبوذًا، مهمَّشًا، لا يعثر على وظيفة فى أوروبا.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية