العنف مكون أساسى فى كل العلاقات الإنسانية، فى البيت والمجتمع، وبين دولة وشعبها وبين الدول، وهو من أسباب استحالة توقع المسارات والتطورات؛ لأنه لا يمكن التنبؤ بتوقيت اللجوء إليه، كما لا يمكن توقع تأثيره على نفس وروح وسلوك ضحيته. وهناك عنف فردى، وعنف جماعى، وعنف مؤسسى، عنف مقصود، وعنف غير مقصود، عنف ممنهج ومقصود، وعنف مترتب عن انفجار للغضب لم يتوقعه صاحبه. ويعود سببه إلى قيام أحد بالاتكاء على جرح أو على عقدة – فرديين أو جماعيين – دون توقع النتيجة.
ويقول هوبز إن الإنسان يحركه الخوف، والبحث عن الطيب واللذيذ، والرغبة فى التميز وفى المجد، وكل هذه المشاعر والدوافع، شأنها شأن التنافس، تؤدى إلى ممارسة العنف، أو على الأقل توجِد أوضاعًا يكون اللجوء إلى العنف خيارًا.
هناك عنف يمنع العنف، عنف حاسم يُنهى الفتنة ويعيد السلام ويفرضه، وعنف يولّد العنف، وعنف مُنشئ للسلطة، وعنف يحميها، وعنف يُعدّ من مظاهرها، بمعنى أن صاحب السلطة يمارسها لتذكرة الجميع بأنه السيد، وهناك عنف هدفه التعامل مع مشكلة محددة، وعنف هدفه إيجاد جو عام من الخوف، وعنف يمزج بين الاثنين.
أتصور أن كل الثقافات تُميز بين عنف مشروع وعنف غير مشروع، مع اختلاف فى تحديد ما هو مشروع، ونشير بسرعة إلى أهمية مفهوم الثأر فى بعض الثقافات، ودور هذا المفهوم فى استمرار قدر معين من العنف عبر العقود.
وأتصور أيضًا أن مكونًا رئيسًا من مكونات الحضارة هو تراجع العنف وتأطيره، وربما التخلص منه بتصديره – على بالى الجمع بين تقدم وارتقاء فى العلاقات الاجتماعية داخل الدول يصحبه توحش بالغ فى المستعمرات وفى الحروب. الارتقاء فى الحياة الاجتماعية مظهره الرئيس التهذيب الفردى واحتكار الدولة للعنف المشروع، والتهذيب أوجد تغييرًا فى التركيبة النفسية للفرد، وتغييرًا لقواعد السلوك فى المجتمع، لا أقول إن الرغبة فى ممارسة العنف زالت، ما أقوله إنه بات طبيعيًّا أن يكبتها كل فرد، وأن تقوم الدولة بمعاقبة أى انفلات.
سلطة الدولة تتوقف عند حد ما، يتغير الوضع من دولة إلى أخرى، ومن مرحلة إلى أخرى، هناك دول ترى أنه من الطبيعى أن تتدخل فى الحياة الأسرية لتمنع ممارسة منهجية أو عارضة للعنف داخلها، وهناك دول ترى أن هذا ليس اختصاصها أو أن أضرار السماح لها بالتدخل أكبر من منافعه.
هناك ثقافات ورؤى للعالم تمجد العنف وتراه مولدًا للتاريخ صانعًا للتطور، ومن مقومات القوة والرجولة، وثقافات تنبذه وتسعى إلى مجتمع وإلى نظام عالمى خاليين تمامًا منه، وأتصور أن الموقف الصحيح هو الخوف منه مع إدراك أنه من مقومات الحياة الجماعية ومن سماتها. ومع عدم نسيان أنه تترتب دائمًا عليه آثار، وإن كانت آجلة أو مكتومة. هذا جليٌّ واضح فى الحالات التى يولّد فيها العنف عنفًا مضادًّا، ولكنه حقيقى أيضًا عندما يعيد العنف السلام والنظام.
ويستحق العنف الموجّه ضد الأطفال أو الذى يصيبهم دون أن يستهدفهم إشارة خاصة. لا يد لأى طفل فى العنف، ولا فى تأثيره على الوعى وتشكيله له. وجروح الطفولة لا تلتئم أبدًا.
وللأسف لا يمكن القول إن تبِعات العنف دائمًا سيئة، العنف قد يولّد فى ضحيته رغبة فى الانتقام، وقد يقنعه بأن العنف ليس الوسيلة المثلى لتحقيق المراد، وأن أضراره أكبر من نفعه. العنف قد يُنفر الجمهور وقد يدفعه إلى دراسة المشكلة التى أدت إلى ظهوره ومعالجتها. من عانى من العنف قد يدمنه ويراه منهجًا للحياة، وقد يرفضه تمامًا.
ما يبدو مؤكدًا أنه دائمًا شديد القبح، وأن عالمًا دون عنف حلم يراود الملايين من البشر، وأن هذا الحلم لن يتحقق أبدًا، وأن واجب السياسى هو السعى الدائم إلى تقليله وضبطه وترشيده، مع إدراك أن هذا الهدف سراب.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية