ما يحدث فى روسيا
منذ سنوات قرر الرئيس بوتين أنه يحتاج إلى قوة عسكرية يستطيع توظيفها فى عمليات مع التنصل من أى مسؤولية عن أفعالها، عمليات تخدم السياسة الخارجية الروسية وتبدو وكأنها مشروع اقتصادى لأحد أفراد النخبة الروسية يتربح منه. هذه القوات تعرض خدماتها على رؤساء دول أو فاعلين سياسيين تريد روسيا دعمهم مقابل مال أو حقوق استغلال بعض ثروات البلاد. الربح يزيد ثروة ممول القوة ويسمح للرئيس بوتين أن يدعى أنه غير مسؤول عن اختيارات وتحالفات هذا الممول… السيد بريجوزين وهو مجرم سابق تحول إلى رجل أعمال وإلى أحد متولى الأعمال القذرة. فإلى جانب قوات فاجنر يدير فرقا تخوض الحرب السيبرانية وحملات التضليل الإعلامى المنهجى التى تعمق الاستقطاب فى البلاد الغربية وغير الصديقة وتتدخل فى انتخابات الدول الغربية.
ثم شاركت هذه القوات فى عمليات غزو أوكرانيا ولم يعد ممكنا إخفاء صلاتها العضوية بالدولة الروسية، ودون الدخول فى تفاصيل خسرت هذه القوة ما لا يقل عن عشرين ألف مقاتل، وبدا أداؤها أفضل من أداء الجيش الروسي، على الأقل منذ صيف 2022، وهى التى نجحت فى الاستيلاء على باخموت وعلى غيرها.
وكثرت انتقادات ممول الميليشيات لقيادة الجيش، قال إنها لا تمد قواته بالسلاح والذخيرة اللازمين، وقال إن هذه القيادة غير كفؤة وغارقة فى الفساد، وتدريجيا اكتسب هذا الممول شعبية، بين صفوف شباب الضباط وبعض قطاعات القوميين المتطرفين، فلغته رغم بذاءتها غير اللغة الخشبية للنظام، وهو كثير التواجد على الخطوط الأمامية، على عكس الرئيس ووزير الدفاع وكبار الضباط، والصورة التى ترسمها تصريحاته بدت واقعية، وتناسى الكثيرون همجية قواته وبشاعة بعض جرائمها واعتمادها على مزيج فريد من صفوة الضباط المتقاعدين والجنود السابقين وعتاة المجرمين المجندين فى السجون.
فى الأول كان الرئيس بوتين يتصرف وكأن صراع المليونير والقيادة العسكرية لا يهمه وريما يفيده، فإلى جانب منطق «فرق تسد» فهو يسمح له بالتعرف على الوجه المسكوت عنه فى التقارير التى تصل إليه، لأن المليونير أدمن تكذيب كلام وزارة الدفاع، ولكن الرنيس اضطر فى وقت ما وبعد أن أصبحت أضرار الصراع أكبر من منافعه إلى اتخاذ موقف واختار الانحياز إلى المؤسسة العسكرية.
ووافق الرئيس على قرار إجبار المشاركين فى القتال على توقيع عقد مع وزارة الحربية والانضمام إلى صفوفها والالتزام بتعليماتها، وهذا القرار كان بمثابة قطع لذراع بريجوزين، ورفض أفراد قواته الفكرة، تمسكا بولائهم لقائدهم، ولأنهم قدروا أن وزير الدفاع سيدفع بهم إلى معارك يكون مصرعهم فيها مؤكدا ليتخلص منهم، ووجد بريجوزين – وهو يرى فى قوات فاجنر مشروعا اقتصاديا- أنه خسر مالا كثيرا وعشرات الآلاف من الرجال، وبدلا من أن يلقى تكريما ودعما ماليا كبيرا جرى تحجيمه وأجريت محاولة لقطع ذراعه. وصعد من خطابه وقال: «صراحة أن مبررات الحرب مجموعة من الأكاذيب الفجة وأن أوكرانيا لم تكن تنوى الاعتداء على روسيا لا هى لا الناتو».
وفهمت أو عرفت الأجهزة الاستخبارية المراقبة لأحداث الغزو وغيرها أن السيد بريجوزين يحضر ويخطط لتحرك ما.
هذا ما نعرفه، وبعد هذا تتعدد الروايات، هناك من يرى أن ما حدث من استيلاء على مدينة روستوف الإستراتيجية والزحف إلى موسكو ما هو إلا تصعيد غير موفق فى نزاع بين الميليشية والمؤسسة ومحاولة غبية لحث الرئيس على نقض قراراته السابقة، وإن إسقاط طائرات الجيش ووفاة طيارين وجنود أفهما بريجوزين أن الرئيس لن يسامحه، فحاول تقليص خسائره، وهناك رواية أخرى ترى أن بريجوزين الذى اكتسب شعبية فى بعض الأوساط حاول قلب نظام الحكم وكان على اتفاق مع حلفاء خذلوه، لأسباب مختلفة قد يكون منها انكشاف أمرهم، إذ يقال إن الرئيس بوتين اكتشف المؤامرة المزعومة يوم أو يومين قبل حدوثها.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية