إعادة زيارة للخمسينيات
أبدأ بمقولتين متناقضتين، من ناحية ما زلت معتقدًا أن “ناصر” خاض وقاد معركة التحرر الوطنى فى ظروف بالغة الصعوبة، ونجح فى إحراز النصر فيها – طبعًا بمساعدة أطراف أخرى، ومن ناحية أخرى لا نخدم أنفسنا إن تعاملنا مع مراحل تاريخنا، وكأن أبطالها من القديسين أو الشياطين، وكأنها صنم نعبده، وطريق لا يوجد غيره، وسجن فكرى لا نخرج منه.
باختصار، علينا أن نُخضع الأحداث التاريخية لمناهج البحث والتفكير، نستخلص الحقائق ونقيّمها، وتقييم القرارات يقتضى التفكير فى البدائل التى كانت مطروحة، والتبِعات المحتملة لكل منها، وعلينا طبعًا أن نحدد مُدركات القادة والنُّخب، علينا ألا ننسى أبدًا أننا نعلم ما كانوا يجهلونه، وما كان يستحيل توقعه، فمن ناحيةٍ نعرف كيف انتهت المرحلة، ومن ناحية أخرى نستطيع أن نطّلع على وثائق كل الأطراف وأغلبها، وهذا لم يكن متاحًا أيامها. وعلينا أن نحدد ما كان معروفًا، والمعرفة التى كانت ممكنة، وألا ننسى عواطف وأهواء وقضايا هذه الحقبة. وعلينا ألا ننكر أن بعض الفاعلين فى هذه المرحلة كانوا شخصيات استثنائية لا تظهر إلا نادرًا، كان لها “ميعاد مع القدَر” استعدّت له بجدية، وقدرات هؤلاء الفذة لا تعنى عدم مناقشة مشوارهم، وتحويله إلى صنم.
أكرِّر هذه البديهيات لأننى ألتقي، بانتظام، مثقفين وخبراء ومواطنين يرون أن “ناصر” أخطأ خطأ جسيمًا عندما سلك مسلكًا أدى إلى تقارب مع موسكو، وإلى قطيعة مع الغرب بصفة عامة، ومع الولايات المتحدة بصفة خاصة، فهو، فى رأيهم، راهنَ على الحصان الخاسر، وفعلها وفقًا لهم؛ لأن نظام الاتحاد السوفيتى الشمولى كان يناسب توجهاته الديكتاتورية والسلطوية، أو لأنه كان حاقدًا كارهًا… إلخ، ولم ينتبه إلى التخلف التكنولوجى السوفيتى وإلى فقر سكانه، ويتحسر بعضهم لأن “ناصر” أضاع فرصة التفاهم مع إدارة أمريكية – إدارة الرئيس أيزنهاور – لم تكن تعادى العرب، بل تسعى إلى تفاهم معهم، ويرون أن “ناصر” “لم يفهم أنك لا تستطيع الحصول على شيء دون مقابل”.
وتصدّى الأستاذ هيكل لهذه المقولات بالقول إن “ناصر” لم يخير، وأنه لم يتوجه إلى الاتحاد السوفيتى إلا مضطرًّا، وأنه صبر كثيرًا، ولكنه اضطر إلى حسم أمره بعد الهجوم الإسرائيلى الوحشى وغير المبرَّر – بشهادة كل المراقبين – على غزة وعلى الجيش المصرى فى فبراير55 واستمرار رفض الغرب مدَّه بالسلاح، وهذا الكلام تبنّاه أغلب الفاعلين والمؤرخين المصريين.
وجدير بالذكر أن “ناصر” شرح ما حدث لمؤرخ فرنسى قابله فى ديسمبر 57 أو يناير 58، ونشر الكاتب سنة 59 كتابًا عنوانه “ربيع عربي” تكلَّم فيها باستفاضة عن زيارته لمصر فى وثيقة بالغة الأهمية عن جو المرحلة، وعن الحماس الجارف الساحق الذى ميّزها، والذى يستحق وقفة تأمل وجهدًا تحليليًّا، نحن أمام مشهد قام فيه شعب بالكامل، وأيّدته شعوب أخرى، والكلام عن خداع أو حشد الجماهير بالدعاية أو تغييب وعيها ضربٌ من خداع الذات، وهروب من معضلة تحليل ظاهرة نادرة الحدوث. لقد كان المؤرخ موجودًا فى مصر أيام الاحتفال بعيد النصر، وعبد الناصر كاد يموت مخنوقًا بعد أن تغلبت الجماهير المُحبة له على صفوف الأمن لتشاهد عن قربٍ الزعيم وتلمس جسمه وتقبِّله.
أقرُّ وأعرف أن العهد الناصرى عرف مظاهرات مصطنَعة نظّمها النظام دافعًا بعض المال وحاشدًا للجماهير، وقد تكون هذه المظاهرات الأصل، ولكن العهد الناصرى عرف أيضًا مظاهرات وتجمعات حاشدة هى فى الواقع قرار جماعى للشعب المصرى أن يقول كلمته بوضوح. ومن واجب المؤرخ تقييم هذه الكلمة وتبِعاتها، ولكنها كلمة آسرة للحاكم مقيِّدة لحركته، لستُ أول القائلين بذلك، ولكن الظاهرة لم تنل أكثر من إشارات إليها.
قارن ناصر أمام المؤرخ فى لقائهما بين العرضين الغربى والسوفيتي، وسأله من يمكنه تفضيل العرض الغربى.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية