خواطر مواطن مهموم (194)

خواطر مواطن مهموم (194)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

7:26 ص, الأحد, 11 يونيو 23

التاريخ يستحق معاملة أفضل

تلقيتُ، الأسبوع الماضي، دعوة كريمة من أمانة الاتصال السياسى لحزب المحافظين، لأتحدث عن حرب 67، وتحضيرًا لهذا اللقاء غرقتُ، بضعة أيام، فى موضوع أعرفه جيدًا، ولكننى تركته منذ عشرة أعوام.

فى سبعينيات القرن الماضي، كنت مراهقًا يهتم بأحوال البلد بمزيج من قلة الخبرة وكثرة القراءة والحماس الوطنى والميل إلى مجالسة مَن عاصر الأحداث، ومَن شارك فى صنعها، وكان السؤال الطاغى هو سؤال الهزيمة، وكيف حصلت. واستمعت إلى الآلاف من الشهود؛ عسكريين ومدنيين وسياسيين، وإلى عشرات الآلاف من الروايات، واطلعت على مئات من الكتب.

وفى وقت ما – قبل ثورة يناير بقليل – تراجع الموضوع، سواء لرحيل أغلب معاصرى الكارثة، أو لانشغال الناس بألغاز التوريث، أو لأننى كنت تفرغت لملفات أخرى، ولكننى حضرت مؤتمرًا فى أوكسفورد حول الحرب، وتعلمت فيه الكثير.

وسواء فى مصر أم خارجها، كان السؤال الطاغى «من المسئول». ونعرف أن محمد حسنين هيكل ردّ قائلًا: «مؤامرة أمريكية»، وصلاح نصر قال بل «مؤامرة سوفيتية»، وهناك فى مصر من أدان «ناصر»، ومن حمّل «عامر» المسئولية، ومن فضّل قدح ونقد الدولة و/أو النظام الاجتماعي، أو ثقافة الخوف والكذب، أو ثقافة «الهلس» والترفيه.

أتصور أن كارثة 67 هى الحادث التاريخى الذى نال القدر الأوفر من التناول، بل من الدراسة فى تاريخنا، نعم الوثائق الرسمية غير متاحة، ولكن هناك آلاف الشهادات المنشورة وآلاف الاجتهادات، ومن الطبيعى ألا ينجح أحد فى امتحان الموضوعية، فالحدث جلل وترك جراحًا عميقة وذاكرة أليمة.

لا أريد أن أعود إلى مناقشة فساد نظريات المؤامرة بكل أشكالها وألوانها، ولا إلى مناقشة تقييم مسئوليات الفاعلين المصريين، وأداء الدولة بكل مؤسساتها، ولا أريد – حاليًّا على الأقل – مناقشة عيوب وفوائد مسلسل جلد الذات وشيطنة دولة يوليو والشعب المصرى وحكامه وطبقاته الوسطى، وهو مسلسل دام عقودًا.

تهمنى حاليًّا عدة أمور وأسئلة تاريخية لم تنل من البحث ما تستحق، ويهمنى أيضًا تطور رؤى العالم فى مختلف فئات المجتمع بعد النكسة وبسببها، والعادات التى اكتسبتها الدولة، والمقاربات التى تبنّتها، والإستراتيجيات التى اتبعتها بعد الحرب، ولهذه الأمور صلة بوضعنا الحالى وخياراتنا.

أول الأسئلة يتعلق بالخمسينيات وفترة صعود الناصرية، أقول أولًا إن فهمها يتطلب مجهودًا ذهنيًّا مهمًّا نظرًا للفوارق المهمة بين النظام العالمى أيامها والآن، وبين الخيارات المطروحة آنذاك وخيارات اليوم.

من ناحية، كانت الخمسينيات حقبة التكنولوجيا السوفيتية، عصر إطلاق سبوتنيك، عصر التصنيع العسكرى السوفيتى المتميز، وكانت ذكرى أداء الجيوش السوفيتية فى الحرب العالمية الثانية حاضرة، وكان تأثير هذه الذكرى قويًّا فى بلد مثل بلدنا كانت شديدة الإعجاب بالعسكرية الألمانية وبهتلر، وكان هناك نوع من التصور العالمى يرى أن الاتحاد السوفيتى سيواصل رحلة الصعود. وطبعًا كان هناك توجس، بل رعب من الإلحاد المنهجى والعدوانى الذى يميز سياساته الداخلية والخارجية، مخاوف لا يخفّف من حِدتها سعيه إلى مخاطبة ودنا فى النصف الثانى من الخمسينيات.

وكان الغرب معسكرًا يضم الدول الاستعمارية، صاحبة السلوك البغيض والرؤية المتعالية العنصرية، وكانت سمعة نظامه الرأسمالى سيئة إلى حد ما، ولدقةٍ أكبر نقول إن الشكوك حول تفوقه على غيره من الأنظمة الاقتصادية بدت وجيهة، النظام الرأسمالى تسبب فى تشريد الملايين من أبناء الغرب فى العشرينيات والثلاثينيات، أيام الكساد الكبير، وكانت الدعاية السوفيتية بارعة فى إبراز عيوب هذا النظام، والتستر على كوارث الشيوعية. وفى المقابل كان الإعجاب بثقافة الغرب وفنونه وإنتاجه الفكرى وحضارته كبيرًا حتى عند كارهيه، وكانت الولايات المتحدة تتمتع بتقدير شعوب كثيرة لم تنس نقاط الرئيس ويلسون الأربع عشرة.

هذا الوصف للأجواء الفكرية يحتاج إلى تفصيل، ولكن السؤال المسكوت عنه يبقى… هل إدارتنا للعلاقات مع أمريكا كانت موفقة؟

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية