ما سمعته هذا الأسبوع
أترك، إلى حين، مذكرات سنوات الدراسة فى فرنسا، لأشرك القارئ بعض ما سمعته، هذا الأسبوع، وتعليقاتى عليه.
فى حلقة نقاشية نظّمها المجلس الأطلسى – وهو من أهم المراكز البحثية الأمريكية – حول آفاق الحرب الروسية ضد أوكرانيا، قال خبير يبدو أنه روسى الأصل، ما يلي… لو كان الرئيس بوتين متأكدًا من تأييد الرأى العام الروسى، واثقًا فى قدرته على تمرير سياساته بالإقناع أو بالقهر، لقام باستدعاء ثانٍ لمئات الآلاف، فعسكريًّا هو فى أمسّ الحاجة إليهم، فالجبهة ممتدة للغاية.
وفى الحلقة نفسها ثار نقاش ثريّ بين خبيرين… حول السؤال… هل الوقت يلعب فى صالح بوتين أم لا؟ الخبير الروسى قال إن الوقت يلعب ضد الرئيس الروسى، فكلما مرّ الوقت، ازداد تأثير العقوبات الغربية، وعانى الاقتصاد الروسى من وجود مئات الآلاف من ذوى المهارات على الجبهة… روسيا حاليًّا تعانى مثلًا لأن أغلب سائقى الشاحنات على الجبهة، مما يؤثر سلبًا على التجارة الداخلية، وطبعًا أوكرانيا تواجه المشاكل نفسها… سمعت مثلًا عن نقص أطباء فى المستشفيات الأوكرانية؛ لوجود عدد كبير منهم على الجبهة. وطبعًا مع إطالة أمد الحرب، يتزايد احتمال انهيار أحد الجيشين.
خبيرة اعترضت على هذا الكلام، وترى أن بوتين مُحق عندما يتصور أن الوقت يلعب ضد أوكرانيا، وفى صالحه، فعزيمة الغرب قد تَضعف، وقدرته على مدّ أوكرانيا بالسلاح دون تغيير جذرى فى منظومته الصناعية، ليست لا نهائية، وهناك غضب بعض القطاعات الشعبية من حجم التأييد لأوكرانيا، وقالت إن التاريخ والتجارب السابقة تثبت أن الحروب تسمح للقادة السلطويين بإحكام قبضتهم على السلطة وعلى المجتمع، وبإضفاء شرعية على القمع، والحالات التى تشهد ثورة أو انقلابًا بعد هزيمة عسكرية أو أثناء حرب، نادرة للغاية. وساقت إحصائيات.
ردّ الخبير الروسى قائلًا إن روسيا عكس القاعدة، بعد الهزيمة على يد اليابان سنة 1905 – وهى بالمناسبة أول هزيمة لشعب «أبيض» على يد شعب «ملون» فى قرون، والنصر اليابانى ألهم حركات تحرر وطنى فى المستعمرات؛ من بينها مصر. الهزيمة سنة 1905 تسببت فى ثورة ضد النظام القيصرى، فى الأشهر التى تلتها، وتسببت الهزائم فى الحرب العالمية الأولى فى انهيار نهائى لحكم القيصر، ومن ثم فإن الخسائر المَهولة فى الأرواح التى مُنى بها الجيش الروسى تُضعف النظام. وقال الخبير: دعْكم من استطلاعات الرأى فى بلاد يخشى فيها الناس من مراقبة التليفونات. عودوا إلى دراسة استطلاعات الرأى، والكلام على المواقع الاجتماعية قبل الحرب، أغلب الروس استبعدوا قيام حرب ضد أوكرانيا، فالشعبان شقيقان، وروسيا ليست بهذه العدوانية، والكلام عن اقتراب ميعاد الحرب دعاية غربية حقيرة… المؤيدون لحرب ضد أوكرانيا، أيامها، كانوا أقل من %5.
وفى المقابل قال خبير أوكراني… اسألوا أى قائد فى «الناتو» أو فى أى جيش… هل يمكن لهجوم مضادّ أن يكون ساحقًا ماحقًا دون غطاء جوى، ودون قصف جوى لإمدادات العدو… وانتقد تردد الأمريكيين فى حسم هذه المسألة… وأيد الفريق ويسلى كلارك كلامه قائلًا إن الصواريخ مهما ارتفعت كفاءتها، لا يمكن لها أن تحلَّ محل الطائرات، ولا يمكن تأمين المجال الجوى بالاعتماد على الدفاع الجوى وحده… وخِفتُ أفضح جهلى فلم أسأل عن دور الطائرات المسيَّرة. وذكرنا الفريق كلارك أن أى قائد عسكرى يعرف أن هناك نوعين من الخطط لا ثالث لهما… خطط لا يمكن لها أن تنجح… وخطط قد تنجح… ولكن النجاح المضمون مقدمًا لا يوجد… فالحظ والمعنويات والطقس والعنصر البشرى تلعب دورًا بالغ الأهمية، وبالمناسبة هذا الإدراك يفسر حقيقة أعرفها من زمان… المتحمسون للحرب ليسوا العسكريين، فهم يعرفون كلفتها وتقلباتها.
وقابلت شخصية سياسية فرنسية كبيرة… ذكّرتنى بأن المسافة بين برلين عاصمة ألمانيا، وبولندا ستون كيلومترًا… والمسافة بين برلين وأوكرانيا تقطعها سيارة فى 8 ساعات.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية