ذكرياتى مع عمالقة العلوم السياسية
تنظيم الدراسة فى معهد العلوم السياسية كان يجمع بين المرونة والصرامة، والسلطوية والسرية، وترك مساحة كبيرة لخيارات الطالب، كان عليه اختيار تخصص وكانوا ثلاثة، أيامي… إدارة عامة، وعلم اجتماع سياسي، وعلاقات دولية. كل طالب يختار تخصصه، إن اخترت تخصصًا، فهناك موادّ إجبارية ضرورية وغير كافية للنجاح، إلى جانب هذا، على الطالب اختيار مادتين أخريين من بين طيف واسع من المواد الاختيارية، وعليه أيضًا حضور سيمنارين من بين طيف واسع من السيمنارات. وإضافة إليهما، هناك سيمنار عام إجباري، المعهد يستقبل، كل أسبوع، أستاذًا، أو ينظم حوارًا بين أستاذين.
ومن ناحية أخرى، لكل طالب وصيّ، أستاذ يشرف على تكوينه، ويرشده فى قراءاته واختياراته، ويطلب منه واجبات ويقيِّم أداءه. هذا الوصيّ يتحكم فيما لا يقل عن ثلث الدرجات النهائية، وربما أكثر؛ لأن الطالب يحس بأن واجبه اختيار محاضرة أو سيمنار الوصيّ. واكتشفنا، مع مرور السنة، أن الأساتذة يتشاورون ويبحثون معًا مسار كل طالب. كنا ثلاثين، نصفنا فى قسم العلاقات الدولية.
اخترت قسم الإدارة العامة، فكان مطلوبًا من طلبة علم الاجتماع السياسى مستوى عال فى الرياضيات؛ لأن عدة مواد تعتمد على إتقان حساب الاحتمالات وحساب التكامل، ولا سيما تلك المتعلقة باستطلاعات الرأى وبعلم الاجتماع الانتخابي. وبما أن آخِر عهدى بالرياضيات كان فى يونيو 1976، وكنا فى أكتوبر 82 كنت أخشى من ضعفي. واستبعدت خيار قسم العلاقات الدولية لعدة أسباب… قد أعود إليها.
فى هذا القسم كانت المواد الإجبارية جهاز الدولة الفرنسي، وعلم اجتماع المؤسسات والتنظيمات، وعلم اجتماع القرار. كان جان لوى كيرمون، رئيس القسم وأستاذ جهاز مادة الدولة الفرنسية، وكان يبحث طويلًا فى المركزية واللامركزية، وفى آليات الحكم المحلي، وفى نُخب الدولة من الساسة والموظفين، وكان الطلبة شديدى الإعجاب به؛ لإلمامه المذهل بالتفاصيل وصبره مع ذوى المستوى المتواضع. وكنت منهم، إن استثنينا آخِر قسم فى المنهج الخاص بالنخب. ورغم صبر الأستاذ ومهاراته، كنت أحتاج إلى مساعدة فى الدراسة والفهم، واتفقت مع طالب لم يكن معنا فى الدفعة، بل فى دراسات عليا أخرى؛ وهى التمهيدية لامتحان القبول فى المدرسة القومية للإدارة، وهى معهد نخبة النخب، كنت أشرح له الصراع العربى الإسرائيلي، والحرب الأهلية اللبنانية، وكان يشرح لى جهاز الدولة الفرنسية، وكان يمتلك قدرة متميزة على التلخيص الوافي، السهل الممتنع. كنت أفهم منه ما لم أفهمه فى المحاضرات، وأصبحنا أصدقاء، عرفت أهله، وعرف أهلي، واليوم هو أحد أقوى كبار الموظفين فى الدولة.
فى هذه المادة كنا مخيَّرين بين امتحان شفوى يستمر نصف ساعة، والمقرر هو كل المنهج، وبين امتحان شفوى يستمر خمسًا وأربعين دقيقة، ويدور حول موضوع واحد دون غيره، ولكن الأسئلة فيه أصعب. واخترت، دون تردد، الخيار الثاني، وموضوع نخب كبار الموظفين ومساراتهم بين جهاز الدولة والقطاع الخاص.
فى يوم الامتحان، وصلت قبل الميعاد بساعة، وكان هناك طالب ينتظر دوره وكنت سأليه. كان بالغ القلق؛ لأنه لم يركز على المادة، أثناء الترم، واكتشف أن المذاكرة “آخِر يومين» لا تكفي. جاء دوره، ودخل، وخرج بعد نصف ساعة متنفسًا الصعداء. وقال لى الأسئلة سهلة وواضح أن ردودى نالت رضا الدكتور؛ لأنه كان لطيفًا مبتسمًا.
جاء دوري، وقال لى الأستاذ: لخِّص انطباعاتك وأفكارك، فانطلقت، وتجهّم الدكتور، وارتبكت ولكننى واصلت الحديث محاولًا التماسك، وسألنى أسئلة صعبة ومباغتة، ولكن الصديق الذى ساعدنى توقعها ودرَّبنى على كيفية الرد. وظل الدكتور عابس الوجه.
خرجت قلقًا وحزينًا، وقابلت زميلًا صديقًا يعرف الدكتور، وسألني، وعبَّرت عن قلقي، وقال بعد الاستماع إليّ: “نسيت أن أقول لك إن تجهُّم الدكتور يعنى أنه يركز فى كلامك، واللطف والابتسامة يعنيان أنك حمار”.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية