خواطر مواطن مهموم (171)

خواطر مواطن مهموم (171)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:59 ص, الأثنين, 2 يناير 23

تأملات فى أسباب الإعجاب بالرئيس بوتين

بداية أتكلم عن ظاهرة عالمية لا عن نسختها العربية، فليس الغرض من المقال تكرار ما هو معروف عن أسباب غضبنا من الولايات المتحدة ولا الحط من أحوال وعينا السياسى ولا السخرية من ثقافتنا السياسية. أنا مواطن مصرى مسيحى الديانة ولكننى أحاول هنا أن أتكلم وكأننى عابر الجنسيات وعابر الأديان والثقافات وأعرف تماما أننى غير مؤهل لهذا.

يقلقنى قلق بالغ ميل النخب الغربية إلى استعادة الاعتقاد بأنها تمثل الخير المطلق، وأنها صاحبة النموذج الواجب تعميمه، وميلها إلى إرجاع الشعبية التى يتمتع الرئيس الروسى بوتين إلى عبقرية دعايته، وإلى تخلف عقلى وثقافى لا يستأصل، أو إلى ذاكرة جريحة، أو إلى أجندات شريرة.

أتفق مع تشخيص تلك النخب للنظام الروسى ومع تقييمها لشخصية رئيسه. نظام قائم على تحالف شاذ بين نخب الأمن والجريمة المنظمة، فى مجتمع واقتصاد يتميز بثنائية شاذة، من ناحية قطاعات – المجمع الصناعى العسكرى ومنظومة الطاقة والزراعة- متطورة تعمل بفعالية وجدية، ومن ناحية أخرى باقى الاقتصاد وهو متخلف وفقير نسبيا، وهذا النظام يريد أن يلعب فى ملعب الكبار والأغنياء ولكنه لا يستطيع منافستهم بتحسين أدائه، فينافسهم بإضعافهم، وهذا النظام يتبنى آخر مشروع استعمارى عرفته البشرية وينفذه بوحشية مرعبة.

وكان أمام روسيا بدائل تنهض بشعبها وتقدم للعالم نموذجا يحتذى به وقوة ناعمة أخاذة، ولكنها اختارت طريقا آخر.

ما أريد أن أقوله هنا والحديث موجه للنخب الغربية من ناحية وللمعجبين بسياسات الرئيس بوتين الخارجية من ناحية أخرى أن قبح السياسات الروسية لا يحول النخب الغربية إلى ملاك أو نموذج يحتذى وأن أسباب كراهية النموذج الغربى لا تعود إلى قدرة النظام الروسى على شراء الذمم أو على ذكاء الدعاية الروسية. هذه الدعاية تجيد استغلال هذه الأسباب ولكنها لا تخلقها ولا توجدها.

ولكى أكون واضحا لو خيرت بين الغرب الحالى وروسيا الحالية لاخترت الأول دون أى تردد. وفى الحرب الحالية أريد كإنسان محب للبشرية وللحق نصرا مبينا ساحقا للشعب الأوكرانى ولداعميه، ولكن هذا لا يعنى اقتناعى بالصيغ الغربية الحالية وسياساتها. ولن أقول «الشعب الأوكرانى العظيم» رغم إعجابى الشديد بكفاحه، لن أقولها لأن العظمة أو الخسة لا دخل لها فى القضية، أى شعب – عظيم أو خسيس- له الحق فى الحياة وفى الاستقلال وفى حكم ذاته.

أحاول التعبير عن رفض الملايين – بما فيهم الملايين من الأمريكيين ومن الأوروبيين- للنماذج الغربية القائمة والتى دفعت عددا منهم إلى «حضن» الدب الروسى أو إلى انتخاب أحزاب وشخصيات تافهة وكريهة. وأحدد قصدى بأرقام فرنسية، القوى السياسية الرافضة لسياسات النخبة الحاكمة و المتعاطفة صراحة مع الرئيس بوتين حصلت على أكثر من %52 من الأصوات فى الانتخابات الرئاسية التى أجريت هذا العام، ولكن المعجبين بالرئيس بوتين لا يزيدون على %12 من الفرنسيين وفقا لاستطلاعات الرأى أجريت بعد اندلاع الحرب، ولكن سوء الظن بالرئيس الروسى سابق للحرب، سنة 2017 الاستطلاعات كانت تؤكد أن ثلاثة أرباع الجمهور الفرنسى له مشاعر بالغة السلبية تجاهه.

لن أخوض فى تفاصيل قضية تشغل بال المحللين الغربيين، هل التصويت للأحزاب الشعبوية والإعجاب بالرئيس الروسى – مع ضرورة التمييز بين الظاهرتين رغم الارتباط بينهما- هما موقف دافعه الغل و«ضد» النخب الغربية أى «ضد» منظومة قيمها، أم هو موقف دافعه مشاعر إيجابية واقتناع بمشروع الشعبويين؟ لن أخوض فيها لأن الفارق لا يهمنى فى إطار مقالي، ففى الحالة الأولى هناك رفض للمنظومة النخبوية، دون حسم لقضية وجود بديل أم لا، وفى الحالة الثانية هناك قناعة أن المشروع الشعبوى أفضل، وفيما يتعلق بكلامى الاثنان سيان.

وأتساءل فى المقال القادم عن الحنين إلى الرجل القوى وعن الإعجاب بالجاسوس الفتوة (أو البلطجي).

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية