لا تعلنوا أفول الولايات المتحدة (2)
من يقول إن الولايات المتحدة فى أفول يعتمد على ظواهر عدة، منها حِدّة الانقسام الداخلى، وصعود العناصر المتطرفة على حساب المعتدلين فى الحزبين الكبيرين، عجز النظام السياسى عن التعامل مع بعض القضايا المُلحة، اختفاء القيادات رفيعة المستوى أو عجزها عن الوصول إلى مقعد الرئاسة، تراجع جودة المنتج الثقافى وتدهور مستوى الجدل العام، وتراجع مستوى الخبراء فى عدة تخصصات محورية، انهيار بعض الصناعات، تكاثر الالتزامات الدولية المرهقة، صعود قوى أخرى يحركها العداء لأمريكا وما تمثله.
لست خبيرًا فى الشئون الأمريكية، وآخر زيارة لى لهذا البلد تمّت سنة 2012 واستمرت ثلاثة أيام، ولا تربطنى علاقة وثيقة بأى مواطن أمريكى: دبلوماسيًّا كان أم جامعيًّا أم مواطنًا عاديًّا، أقابل أحيانًا طلبة وباحثين شباب، وبعض الصحفيين الأوروبيين يقولون لى إننى لا أعير الانقسام الداخلى الاهتمام الواجب، ويقولون لى إن العائلة الواحدة منقسمة انقسامًا أدى إلى قطيعة تامة بين الأشقّاء، وأن ثلثى المواطنين الأمريكيين يعتقدون أن البلد سيعرف حربًا أهلية.
لا يعنى هذا أن الصلة مقطوعة تمامًا، فإننى مشترك فى عدة مواقع إخبارية أمريكية، وأتابع بحكم وظيفتى إنتاج المراكز الفكرية، وبحكم مهامّى فى الجامعة أقرأ كثيرًا لمفكرين أمريكيين أو مفكرين أوروبيين قضوا بضع سنوات هناك، وبحكم الهواية والمهنة أتابع كل ما يتعلق بالجيش الأمريكى، وفى دفعتى مصريون يعيشون فى الولايات المتحدة لا أقابلهم كثيرًا ولكنهم- وعلى رأسهم جامعى شهير- يقولون لى إننى “مصرى الهوية وأوروبى التعليم” فى آن واحد، وأننى لن أطيق الحياة فى أمريكا ولن أطيق الأمريكيين إن اقتربت منهم. وبما أننى لم أخض التجربة فلا أعرف إن كان هذا الكلام صادقًا أم لا.
لا يعنى ما سبق أننى بالضرورة لست مؤهلًا للكلام عن مستقبل الولايات المتحدة، يعنى ما سبق أننى أعتمد أكثر من غيرى على الأرقام، وهى طبعًا لا تكفى، ولكن الخبراء العارفين فعلًا بأحوال بلد يميلون إلى إهمالها تمامًا قائلين إنها لا تعبر عن الحقيقة، والصحيح أنها لا تعبر عن كل الحقيقة.
يضاف إلى ذلك أننى أعرف إلى حد ما- حد يتغير مع المناطق والمجتمعات المعنية- أحوال المنافسين. الأفول مصطلح يعنى، من ناحية، أن البلد كان أحسن حالًا فى الماضى، وهذا يثير تساؤلات جادّة عن الأهمية النسبية للمؤشرات المختلفة، ويثير تساؤلات أخرى حول أهمية العوامل الذاتية- الروح المعنوية للمواطنين وتأثير انطباعاتهم عن مسار الأحوال على هذه الأحوال، ومن ناحية أخرى يعنى الأفول أن هناك منافسين فى طريقهم إلى تجاوزك والتفوق عليك.
ولا ننس أهمية السياسة، وحكمة القادة، ولا سيما فى عصر عرَف طفرة فى القدرة التدميرية من ناحية، وتكاثر الفاعلين القادرين على اللجوء إلى السلاح من ناحية أخرى، قد تمتلك دولة عددًا هائلًا من الأوراق، ثم تضيع بعضها أو كلها فى مغامرة مجنونة كغزو روسيا لأوكرانيا، أو غزو أمريكا للعراق.
أبدأ بذكر بعض العوامل التى تلعب لصالح الولايات المتحدة، إنْ درسنا البنية السكانية للفاعلين الكبار فسنرى أن روسيا تواجه مشكلة لا حل لها، فيما يبدو؛ وهى تناقص عدد سكانها، وتضاؤل نسبة الشباب فى هذه البنية، وأوروبا وألمانيا خاصة تعانيان المشكلة نفسها، وحلُّها يقتضى قدرة على استقبال مهاجرين ودمجهم ليقبلوا الثقافة السائدة ولتقبلهم هذه الثقافة، وهى قدرة متوافرة أحيانًا وليس دائمًا. والصين فى طريقها إلى وضع يكون فيه الهرم العمرى مقلوبًا… نسبة مرتفعة جدًّا من الشيوخ. لا ينتبه الكثيرون إلى كون أمريكا أحسن حالًا وإن لم يكن الوضع مثاليًّا.
من خمسين سنة كان عامود الاقتصاد العالمى شركات الطاقة العملاقة، سبع؛ منها أربع أوروبيات، وثلاث أمريكيات، واليوم، العامود هى شركات المعلومات العملاقة، لا توجد بينها شركة أوروبية واحدة.
يتبع
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية