خواطر مواطن مهموم (148)

خواطر مواطن مهموم (148)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:29 ص, الأحد, 24 يوليو 22

عن ثورة يوليه مجددًا

خصصت أول عشرين سنة من مشوارى المهنى لدراسة ثورة يوليه والتنظيمات السرية فى الجيش المصري؛ وعلى رأسها تنظيم الضباط الأحرار، واقتضت هذه الدراسة التبحر فى أدبيات علماء السياسة والمؤرخين التى تناولت ثورات أخرى ومسارات ما يسمى الإنتلجنسيا، وفى مثل هذه الموضوعات لا تنتهى الدراسة أبدًا؛ فهناك دائمًا زوايا أُهملت، وجوانب تم تجاهلها، بل يقرر الباحث أن يتوقف عن البحث ويطرح ما لديه.

قد يقول القائل: هذه المقدمة غير بريئة تزعم أن لكاتب هذه السطور شرعية فى تناول الموضوع تفرض تصديقه، ولن أكذبه، نعم أدَّعى شرعية فى تناول الثورة، ولكننى سأقول: أعرف أن هناك غيرى يتمتع بمثلها أو أكثر ويرى غير رأيي، ولكننى أحسب أننا سنتفق حول بعض النقاط، وأن من حق الجمهور أن يعرفها. وأضيف: لم أقم باستطلاع رأى لسؤال المتخصصين، بل قمت بالاطلاع على ما نشروه، وللكل حق تصويب كلامي.

أسمع كمًّا مَهولًا من الشباب- من سائقى أوبر إلى الملتحقين بكليات النخبة- يؤمنون بأن النظام الملكى كان جميلًا يلائم الأحوال المصرية، وله أداء رفيع فى حل المشكلات ومجابهة التحديات، وأن الملك فاروق ظُلم ظلمًا بيّنًا من قِبل مَن انقلبوا عليه وبثّوا سمومًا وروايات ثبَت خطؤها.

نكتفى هنا بالقول إن للنظام الملكي- ملك ونخبة وشعب- إنجازات كبيرة؛ منها نظام تعليمى أفرز كمًّا من القامات، ومنها بناء مؤسسات حكومية وقضائية على درجة معقولة، وأحيانًا كبيرة من الكفاءة، ومنها نهضة ثقافية شاملة واعدة، ومنها تقدم كبير فى قضية الاستقلال الوطني. كل هذا حقيقة لا تُنكَر.

ولكن أغلب هذه الإنجازات هى إنجازات عصرى ثورة 19 والملك فؤاد، والقليل منها يُنسب لشخص فاروق وعصره. الملك فاروق شخصية أضرّت نفسها وأضرّت مصر كثيرًا، سواء أثناء الحرب العالمية الثانية أم بعدها، وأوصل مصر إلى طريق مسدود، وطبعًا القوى السياسية النشطة أيامها تشاركه المسئولية، وطبعًا كانت التحديات ضخمة وصعبة، ولكن الملك والفُرقاء مارسوا أحيانًا سياسة النعامة- دفن الرأس فى الرمل لعدم رؤية الأمور- وتبنّوا أحيانًا خيارات كارثية تسببت فى تفاقم المشكلة.

مصر سنة 1952 مجتمع فقير ويزداد فقرًا، يعانى من جهل الأغلبية ومن الأمراض المختلفة، نخبته ترفض دفع ثمن الانتقال من مجتمع زراعى إلى مجتمع صناعي، لا تفهم أن حل القضية الوطنية يتطلب مهارات وإستراتيجية وقدرة على رؤية الواقع (فيما يخص السودان مثلًا) والتعامل معه، وربما ممارسة قدر من العنف المحسوب بدقة.

وشاهدت السنوات الأخيرة للملك فاروق ارتفاعًا مريعًا فى معدلات العنف الذى بلغ ذروته مع حريق القاهرة، عنف تعددت مظاهره بين الاغتيالات السياسية التى قتلت قامات كبيرة مثل أحمد ماهر والنقراشي، وبين الحوادث الإرهابية وبين قمع دمويّ للمظاهرات… وجدير بالذكر أن الملك جنَّد أشخاصًا مارسوا الاغتيال السياسى لحسابه، وللتدليل على الفوضى نقول إن الأصل فى الجامعة أن الدراسة كانت معطلة لأسباب صعب فهمها- تضامن مع الشعب الأوغندي، مناصرة كفاح الشعب الكيني… وأن الاشتباكات العنيفة بين الطلبة المنتمين إلى تيارات مختلفة كانت مشهدًا شِبه يومي.

هناك نقد لثورة يوليه يقول إن مصر أيامها كانت حُبلى بالثورة، وأن قيام حركة الضباط منع قيام ثورة شعبية حقيقية كانت قادمة لا محالة، قد يكون لهذا الكلام وجاهة، ولكننى لستُ من أنصاره، أولًا لأن الخريطة السياسية أيامها تفرض نفسها ومنطقها… من يستطيع قيادة مثل هذه الثورة؛ إما الإخوان أم الشيوعيون أم الوفديون. وأعتقد أن الإخوان كانوا الأوفر حظًّا، وثانيًا الثورة ليست عملية انتقالية سلسة تؤدى حتمًا إلى تبنّى نظام يكون أحسن من الذى سبقه، الثورة هى تغيير بالقوة؛ أى بالعنف، وتقتضى إيقاف عجلة الاقتصاد لفترة طويلة- ومصر لا تملك ترف هذا، ولا نعرف مقدمًا شكل النظام الجديد.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية