خواطر مواطن مهموم (142)

خواطر مواطن مهموم (142)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:45 ص, الأحد, 5 يونيو 22

عن وحول الزلزال الروسى (1)

لا أتكلم الروسية، ولكننى من متابعى الشأن الروسى منذ وقبل بداية مشوارى المهني. الأسباب متعددة. من ناحية فى دائرة الأصدقاء الفرنسيين، هناك خبيران عظيمان فى الشأن الروسي، كنت أحب أسلوب تناول أحد أساتذتى للمسألة الروسية٬ الجامع بين الرصانة العلمية والتوحش فى الروح الفكاهية اللاذعة، كنت أحب الأدب الروسي٬ ما زلت أعتقد أن تحفة تولستوى «الحرب والسلام» أعظم ما قرأته٬ وأنه لا يوجد مثيل لهذه الرواية الملحمية فى أية لغة، وعدت إليها مؤخرًا فى إطار تأمل الحرب كظاهرة إنسانية.

فى بداية الثمانينيات كنت فى فرنسا عندما انفجرت قنبلة فى الحياة الفكرية الفرنسية٬ تم العثور على الرواية المفقودة وترجمتها ونشرها. الرواية كانت معتقلة- إن جاز التعبير. كاتبها- فاسيلى جروسمان- كان يهوديًّا روسيًّا عضوًا فى الحزب الشيوعي، وكان مراسلًا حربيًّا غطّى أحداث حصار ومعارك ستالينجراد التى أسفرت عن أول هزيمة كبرى لجيوش هتلر، أمضى جروسمان وقته من أواخر الأربعينيات إلى أوائل الستينيات فى كتابة رواية عن تجربته فى الحرب وعن المجتمع الشيوعى أثناءها وعن أحوال الجنود الروس.

وأنهى الكتابة وأرسلها إلى رئيس تحرير مجلة أدبية٬ وبعدها بقليل قامت الشرطة السياسية بتفتيش منزله وضبط نسخ الرواية وورق الكاربون الذى استُخدم وأية ورقة أو مسوَّدة متعلقة بها، واختفت الرواية ودُفنت فى أرشيف المخابرات، وطالب جروسمان مقابلة المسئولين للدفاع عن عمله، وفعلًا قابل مسئول الأيديولوجية فى الحزب الرفيق سوسلوف٬ الذى قال له إن الكتاب بالغ الخطورة على النظام ويمثل تهديدًا أكبر من كتاب باسترناك الدكتور زيفاغو… وبعدها بقليل مات الكاتب كمدًا متحسرًا.

ولكنه- قبل «اعتقال» الكتاب- كان قد ترك نسخة عند صديق٬ أخذ الصديق وقته ونجح بعد ما يناهز العقدين فى تسريب النسخة الأخيرة إلى الغرب وتم طبعها. وأحدثت دويًّا هائلًا. فهى غالبًا أعظم رواية روسية، وربما عالمية صدرت القرن الماضي٬ متفوقة على أعمال خالدة لباسترناك وسولجنتسين وبولجاكوف وغيرهم.

هى رواية خشنة لا تلجأ إلى بلاغة، ويقول الكاتب رأيه دون مواربة ودون التخفى وراء رموز٬ وهى رواية صعبة؛ لكثرة أعداد أبطالها، وكاتبها عارف بأحوال المجتمع والحزب والجيش والأوساط الثقافية والعلمية، بارع فى تصوير مأساة أبطال الجيش السوفييتى وشهدائه، وفى إغراقنا فى الحزن بل البكاء عليهم، عشرات الملايين حاربوا دفاعًا عن الوطن الأم وليس عن أيديولوجيا أو مذهب، ومات منهم ملايين٬ وتحمّل الأحياء ما تحمّلوه من ويلات وكانوا مدركين لدورهم التاريخي… إنقاذ الوطن والمساهمة فى تحرير شعوب أوروبا والبشرية وفى تحطيم وتدمير نظام هتلر الشمولى والهمجي… وكانوا يدركون أنهم دون غيرهم لن يعرفوا خلاصًا، فنصرهم سيتبعه عودة إلى سجن قاسٍ مظلم وإلى خضوع مطلق دون فرج٬ وسيعطى شرعية مجددة لسجانهم جلادهم الطاغية ولنظامه، الذين لا يختلفون عن هتلر كثيرًا. هؤلاء الجنود أدركوا أن إلحاقهم الألمان هزيمة نكراء كاملة سيحرر الألمان من طغيان أسوأ نظام عرفوه٬ فى حين أن نصرهم الأسطورى سيعنى لهم دوام الظلم والعبودية. لا يتعرض جروسمان لما اقترفه هؤلاء الجنود وهم زاحفون إلى برلين، من اعتداءات وحشية على النساء والرجال، فالرواية تنتهى أحداثها فى ربيع 43، ولكن ما حكاه يساعدنا فى فهم- نفهم دون أن نعذر- السلوك الإجرامى اليائس.

وفى مقدمته للطبعة الفرنسية قال الشاعر الذى نجح فى إقناع الناشرين بطبعها معلقًا على كلام الرفيق سوسلوف المسئول عن «اعتقال الرواية»… يا لها من إشادة، كتاب يهدد نظامًا تهديدًا وجوديًّا، نظام انتصر على النازية ويملك ما يملكه من عتاد وأجهزة… الشاعر يشيد بالكتاب الذى يستحق قطعًا هذا وأكثر٬ ولكننى فهمت كلامه بطريقة أخرى، يا لها من دولة هشة… ومن لحظتها تجدوننى ممزقًا بين الإعجاب بالثقافة والحضارة الروسية وكراهية أنظمتهم ودولتهم.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية