لم أتردد فى حياتى ولم أحتر كما أتردد وأحتار هذه الأيام، لم أتزوج وأميل إلى اعتبار كل الطلبة الذين ابتُلوا بمحاضراتى أبنائي، ولا أحب العالم الذى يتركه جيلى لهم، لا أتكلم فقط عن مصر ولا عن المنطقة بل عن العالم كله، ويبدو أن الكل- قادة وسياسيين وإعلاميين وخبراء ورأى عام- عاجز عن قراءته وعن فهمه وعن صياغة سياسات تدير الحاضر وتتعامل مع الماضى وتحاول أن تحدد خريطة طريق إلى المستقبل.
ولكى لا يتصور أحد أننى أدّعى احتكار المعرفة والحقيقة، أقول بوضوح إننى عاجز تمامًا عن الرد على سؤال أين نحن- المصريون والعرب والجماعة الإنسانية- وإلى أين نحن ذاهبون، ولا أعرف حتى إن كان موقفى العام من الأحداث واتجاهاتها موقف مُسنّ يمضى بسرعة فى طريقه إلى الخرف، أم موقف خبير قديم مُخضرم له خبرة يُعتدّ بها، أم موقف مصرى كاثوليكى تحرِّكه أو تشلّه هواجس متناقضة ومرعوب من انهيار اعتبارات وضوابط الإنسانية المشتركة ومن ميل الكل إلى تمجيد الهمجية والدفاع عنها، أو على الأقل اعتبارها أمرًا صحيًّا.
دعونا أولًا نتكلم باختصار سيكون قطعًا مُخلًّا عن الوضع فى معابد العلم؛ أى الجامعات العالمية والمصرية، وتحديدًا فى الكليات المعنية بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية، يمكن القول إن العلم- أيّ علم- شاهد تقدمًا هائلًا وتراجعًا عظيمًا فى آن واحد، من ناحية هناك على الأقل فى المجالات التى أتابعها- أى التاريخ والفلسفة السياسية وعلوم اتخاذ القرار السياسى وعلم الاجتماع السياسى والعلوم الاستراتيجية والأمنية- قدرة كبيرة على طرح أسئلة جديدة أو اقتراح مقاربات جديدة للأمور، وعلى الإلمام بتفاصيل كانت مهملة تمامًا، وفى الوقت نفسه هناك استبعاد لا يمكن تبريره علميًّا لأسئلة وطروحات؛ لأنها لا تتفق والهوى الأيديولوجى لكبار الجماعة العلمية، كما أن هناك تساهلًا وقبولًا لكلام فارغ لأنه يتفق وهذا الهوى. ويفاقم من هذه المشكلة- وأحيانًا يقلل من حِدتها- ازدياد حاجة الجامعات إلى تمويل خارجي، سواء من دولةٍ ما أو من مانحين كبار.
مشكلة أخرى هى أن التعمق المتزايد فى دراسة وتناول ملف، أو حتى جوانب معينة من ملف، يتم على حساب الاطلاع على المستجدات فى الملفات الأخرى المرتبطة به، أستأذن لأتكلم عن شخصى المتواضع، كما قلت لم أتزوج، وإضافة إلى ذلك عائلتى ليست عبئًا بل دعم كبير، وأخصص للقراءة وقتًا كبيرًا، ساعات طويلة، ولديّ كم مَهول من الأصدقاء والزملاء، جامعيين ومثقفين وإعلاميين وكوادر دولة وطلبة قادرين على وراغبين فى تخصيص جزء من وقتهم لعرض وشرح ثمار قراءاتهم وتجربتهم الواقعية ورأيهم فى مختلف القضايا. وبالمناسبة لا يلتفت الكثيرون إلى كون امتلاك دفتر تليفونات كبير ومتنوع شرط أساسى لنبوغ الجامعى الناجح، ورغم كل هذه المزايا، ورغم الأدوات المتعددة التى يمنحها التطور التكنولوجي- محركات البحث وموسوعة ويكيبيديا- فإننى أعانى بشدة وأدرك كم أنا محظوظ… وجاهل!
لديّ العديد من الملاحظات على كيفية استخدام وتوظيف أدوات التكنولوجيا الحديثة، وقد أعود إليها، أقول هنا إن التنظيم الحالى للبحث والدراسات العلمية فى العلوم الإنسانية يُفاقم المشكلة من عدة جوانب، هناك تشديد مؤسسى على سرعة الإنجاز وعلى وفرة الإنتاج المكتوب، والسرعة تتحول بيسر إلى تسرع، والتشديد على الكم يحثّ على تجاهل الكيف، عندما يطلب منك دراسة متعمقة، كل شهر أو كل شهرين، وربما أكثر، لا يتوفر لك الوقت للتفكير فى حدود أدائك وعيوب تناولك أو للقراءة المتأنية. وعليك إن كان الوقت ضيقًا ألا تترك للصدفة دورًا، أقصد أن أغلب الكتب التى زوّدتنى بأفكار جديدة أو دفعتنى إلى صياغتها هى كتب لا تدخل فى نطاق تخصصى المباشر، قرأتها مدفوعًا بالفضول أو حب الاطلاع، وأحيانًا لم أوظفها إلا بعد عشرين سنة من قراءتها.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية