بمنتهى التجرد والحياد، لابد أن نقر ونعترف، أن خالد وشعبان وزغلول، هم أكثر الشخصيات شعبية في مصر، لا يستطيع أحد أن يدعي زورا وبهتانا، أنه يفوق أو يقترب من أي منهم في مجال التأثير على الجماهير العريضة، سوى الكابتن بيبو الأصلي محمود الخطيب، وليس «التايوانى» خالد بيبو.
بل ربما أن بيبو نفسه، يحسدهم على ما يحظون به من محبة واعجاب وولهه، من جانب هذا الشعب الجميل الطيب، ويلعن القدر، الذي جعله يتجه إلى مغازلة الكرة وتسجيل الأهداف في الشباك، بدلا من مداعبة ودغدغة الحواس وتسديد السهام إلى القلوب والأفئدة.
هم الأكثر شعبية،ليس لأن أولهم -وأذكاهم- الداعية الشبابي عمرو خالد، قد ذكر في سياق حوار له مع جريدة المصري اليوم الأسبوع الماضي، أن موقعه على الأنترنت، قد حقق 26 مليون زائر -في مدة لم يحددها-، وأن 43 ألف زائر معظمهم من مصر، قد زاروه يوم الثلاثاء قبل الماضي.
ولا لأنه قد أكد, أن الموقع مصنف رقم 370 على مستوى العالم، و2 على مستوى المواقع العربية بعد الجزيرة نت- وطبعا قبل ال بى بى سى والأهرامو موقع الحكومة الألكترونية-، ورقم واحد على مستوى المواقع الشخصية، اي قبل موقع أعظم شخصية يمكن أن تتخيلها على مستوى العالم.
ولا لأنه قد روى أيضا، أن 12 ألف شاب و 600 خبير، قد انضموا للمكتب الاستشاري، الذي أعلن عنه لتنفيذ فكرة «نهضة»، التي طرحها من خلال برنامجه «صناع الحياة»، و تمخض عنه حتى الأن 14 مشروعا ،قارن بين هذه الأرقام وبين أجدع رقم -سواء من الشباب أو الخبراء أو عدد المشروعات-، يمكن أن يحشده مسئول في الحكومة، لمبادرة أو فكرة يعلن عنها.
هم الأكثر تأثيرا، لا لأن الموزعين و المنتجين يؤكدون ويبصمون، أن ثاني الثلاثة -وهو أقلهم ذكاء وأكثرهم فطرة وبدائية- المطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم، يحقق أعلى المبيعات في سوق الكاسيت، ملايين النسخ يتهافت عليها الناس، لعشرات الأغنيات، التي تحمل نفس الرتم والمقام، بل واللحن في ظاهرة كونية عجيبة، لا يمكن أن تحدث سوى فى مصر المحروسة.
هم الأكثر تغلغلاً فى وجدان الجماهير، ليس لأن ثالثهم -وأكثرهم نمطية- الدكتور زغلول النجار، قد أدعى في حوار له مع جريدة الدستور في عددها الماضى، أن مقاله الأسبوعى، الذي تنشره جريدة الأهرام «الوقورة»، كل يوم إثنين على مساحة صفحة كاملة، يزيد من توزيعها 100 ألف نسخة.
«لاحظ أنه لا يمكن التأكد من صحة ما يقوله زغلول، لأنه ليس بوسعنا أن نعلم أصلا، رقم التوزيع الحقيقي للأهرام فى أى يوم من أيام الأسبوع».
هم كذلك، لأننا نستطيع ببساطة أن نرصد حجم شعبيتهم الطاغية على ألسنة من حولنا، كلما سألنا عنهم، وعلى ملامح وجوههم الغاضبة، إذا ما تعرضنا لفرسانهم الثلاثة بالنقد، أو نلنا منهم بالانتقاد.
وأنا شخصيا لا أستغرب أن يرفع زغلول توزيع الأهرام 100 ألف نسخة، لاحظ أنه لا يوجد مرشح للحزب الحاكم بمقدوره، أن يحصل على أصوات نصف هذا العدد -بجد- في أي انتخابات حقيقية.
كما لا ينتابني أى نوع من أنواع الدهشة، لزيارة ملايين المصريين لموقع عمرو خالد، أو لشرائهم أغانى شعبان، فالقاعدة لابد أن تفرز وتنتقي في القمة، ما يعبر عنها وعن وعيها.
من البديهى إذن أن يقبل الناس على عبد الرحيم بفطرته القريبة منهم، بل و بمواقفه الوطنية الساذجة عبر أغنيته – بحب عمرو موسى وبكره إسرائيل-.
ومن المسلم به، أن تخر الجماهير ساجدة لا فرق، أمام إعجاز الدكتور زغلول، فهو يتكفل بحل التناقض المزمن بين العلم والدين -أو بمعنى أدق التفسير السائد للدين-، لا بالاجتهاد وتطويع الفقه والتفسير للعلم، ولا بتطبيق مناهج العلم الحديث على علوم الدين أى «عقلنة» الدين، وإنما بإخضاع العلم وتلبيسه تلبيسا في الدين أو ما يمكن أن نطلق عليه «تديين» العلم.
ولكم أنا معجب بالداعية الشاب عمرو خالد -أنا معجب بجد-، فقد استطاع في ذكاء ودهاء بالغين، وعلى عكس نجوم الدين الشعبويين السابقين، كالشيوخ كشك والشعراوي و بدرجة ما عمر عبد الكافي، أن يقدم خلطة جديدة.
خلطة تمزج «مظاهر» كل من العصر والدين -دعك من المضامين-، ليحل بذلك التناقض، ما بين الرغبة فى ممارسة الحياة والاستمساك بالتدين، البنطلون الجينز والحجاب، الموسيقى والصلاة، الحب والطهارة، الروشنة والجهاد، ليكتسب بذلك شعبية طاغية فى العديد من الشرائح الاجتماعية.
وبالرغم من أنه -عمرو خالد-، قد نفى صراحة في حواره الأخير أي علاقة له بالسياسة، إلا أن هذه القدرة المرعبة على التأثير، تدحض نواياه الحسنة.
أكثر من هذا، فإن حديثه عن فكرة النهضة واللحاق بالركب العالمي، من خلال توافر النية، وتغليب المصلحة العامة على الشخصية، وتوافر الاخلاص والارادة الحقيقية والجدية، يدفع به دفعا من نطاق الوعظ الديني إلى مجال التأثير السياسي.
«مرة أخرى دعك من المضمون الإنشائى العام لعبارات خالد، فكما نوهنا أن القمة تعبر عن القاعدة».
أما ما يقذف به في أتون السياسة بحق فهو معرض حديثه عن الشباب من مريديه: هؤلاء الشباب لم يعودوا كتلة صامتة ساكنة لا تتحرك ولا تنطق ولا تعبر عن نفسها، وأن ينتقدني أحد الشباب أمر لا يزعجني، بل إن ذلك أفضل من أن يؤيدني في الصواب والخطأ.
لاحظ المحتوى الديمقراطي، الذى لم يتوفر فى سابقيه من الدعاة، كما لك أن تلاحظ أيضا أن مضمون الخطاب سياسي وليس دينيا على الإطلاق.
والمدهش أن خالد قد أعلن عن تنظيمه لمؤتمرفى بريطانيا في شهر أغسطس القادم، تحت عنوان إنقاذ الشباب في العالم العربى من البطالة، يهدف إلى مشاركة المؤسسات الدولية والحكومات العربية، في تمويل مشروعات صغيرة تخدم الشباب.
جميل ولكن موطن الدهشة، أن المؤتمر -وفقا لما ذكره خالد-، سينعقد تحت رعاية الأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية، و وزارة الصناعة المصرية تحت قيادة المهندس رشيد محمد رشيد.
ولم أكن أعلم من قبل، أن حتى وزير الصناعة، قد أصبح من مريدي الشاب الداعية؟!.