لا شيء يزعجني في عملية الاصلاح السياسي، التي تقوم بها جماعة الإصلاحيين في الحزب الوطنى حالياً، بقدر ما يزعجني أمران، أولهما الأداء السياسي «الأوفر»، من جانب بعض قيادات الحملة الانتخابية، لمرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية الماضية، ويجسده على سبيل المثال، الشكوى من عدم حيادية جهاز التليفزيون المصري الحكومي، بما يصب في مصلحة باقي المرشحين!.
وكذلك انتقاد تعسف بعض رؤساء اللجان الانتخابية من القضاة، بما عطل عملية التصويت لصالح مرشحهم، وهو ما أسفر عن حصوله على نسبة %88 فقط من إجمالي الأصوات!.
باختصار عندما ترى بعض أفراد جماعة الإصلاح يتحدث، تشعر أنك أمام ممثل، من تلك النوعية من ممثلي الكوميديا، الذي يملك قدرة هائلة على اضحاكك إلى درجة البكاء، بل والموت من الضحك، في الوقت الذي ترتسم فيه على وجهه، أقصى ملامح الجدية!.
أما ثاني الأمرين المزعجين، فيتمثل في ممارسات تلك الحفنة من الصحفيين والإعلاميين، المرتبطين بجماعة الاصلاح، وعلاقة المصالح المتبادلة بين الطرفين، التي باتت تشبه إلى حد كبير، نظيرتها التي جمعت على مدى أكثر من عشرين عاماً، بين من يطلق عليهم الحرس القديم بالحزب الوطني، والقيادات الصحفية الحكومية الآفلة.
ربما مع بعض أوجه الاختلاف، أهمها أن شلة المنتفعين الجديدة، لا يرتدي أعضاؤها بالضرورة الثياب الحكومية، أو يتمتعون بعضوية الحزب، إذ يرى الطرفان، أنه من الأجدى لكل منهما، أن يدعى الإعلامي الاستقلالية، كي يكسبه ذلك بعض المصداقية في الدفاع عن جماعة الإصلاح، في معركتها المزدوجة، مع كل من الحرس القديم بالحزب- لا حزب إلا الوطني-، وقوى المعارضة.
من خلال المعركة العائلية، الدائرة حالياً على خوض انتخابات مجلس الشعب في دائرة كفر شكر، بين كل من خالد محيى الدين، الزعيم التاريخي لحزب التجمع ومؤسسه، والدكتور محمود محيى الدين وزير الاستثمار، وأحد أبرز أقطاب جماعة الإصلاح، تستطيع أن تضبط بسهولة، العديد من الممارسات الأكروباتية، لشلة الإعلاميين المستفيدين، باعتبارها فرصة لا تعوض، ولا يمكن تركها، تمر هكذا هباء، دون إثبات التحيز والولاء، وإسداء الخدمات، هذا مع اعتقادي أن محيى الدين «الإصلاحي»- بخلاف العديد من أعضاء جماعة الإصلاح-، لا يفضل مثل هذا النوع من الخدمات، وفي تلك الحالة تحديداً.
ويمكن اعتبار مقال الدكتور عمرو عبدالسميع «الإصلاحي»، الذي نشره يوم الخميس الماضي، تحت عنوان «مسائل عائلية»، بالصفحة الأولى لصحيفة روز اليوسف «الإصلاحية»، لصاحبيها «الإصلاحيين» كرم جبر وعبدالله كمال، والتي تعج بالعديد من المقالات وأعمدة الرأي لزملاء «إصلاحيين».. يمكن اعتبار هذا المقال تحديداً، نموذجاً فريداً شاملاً جامعاً، يلخص كافة الحجج والمبررات، التي ساقها الدكتور عبدالسميع وبعض زملائه من قبله، في كتابات انتصرت بوضوح، لمحيي الدين «الإصلاحي» وغمزت ولمزت فى محيى الدين الأكبر «عديم الإصلاح».
فقد ارتكنت المقالة فى معرض هجومها على خالد محيى الدين إلى مجموعة من النقاط الأساسية:
أولها إلقاء اللوم على خالد، في مسألة تحويل طابع الخلاف من السياسي- كما يفترض أن يكون- إلى عائلي، وذلك استناداً إلى ما صرح به لجريدة المصري اليوم، من تاريخ خلافه مع الدكتور صفوت محيى الدين والد وزير الاستثمار، وهزيمته له في انتخابات مجلس الشعب، رغم مساندة الجهاز الإداري والدكتور فؤاد محيى الدين له.
وهي ما اعتبرها عبدالسميع رواية قصد خالد محيى الدين بها إثبات قدرته على الانتصار على هذا الفرع من العائلة.
وثانيها، وبناءً على التهمة السابقة، عاد عبدالسميع، لينحو باللوم مرة أخرى على زعيم حزب التجمع، في إعطاء الوزن الأكبر، للبعد العائلي أو ما أسماه فكرة القداسة العائلية، عبر اصراره على مبدأ ترشح واحد فقط من العائلة، في الوقت الذي نتكلم فيه عن مجتمع سياسي عصري، ينبغي أن يختفي فيه الفكر الريفي «المصطباوي»، لمصلحة فكرة التنافسية على أساس البرامج والأفكار.
وثالثها، الربط بين خالد، والحرس القديم بالحزب الوطني، استناداً إلى ما ذكره في نفس التصريح لجريدة المصري اليوم، من أن ترشحه، يرتكز على وعد قد تلقاه من كل من صفوت الشريف وكمال الشاذلي القياديين بالحزب الوطني، بترك الفرصة لرؤساء الأحزاب في بعض الدوائر.
ورابعها، التلويح بأن إصرار خالد على تغليب الفكر العائلي، يمثل حجباً لفرصة عن شاب، يمثل الجيل الجديد والمستقبل، «فكرة صراع الأجيال وإصرار كبار السن على الجلوس على مقاعدهم وعدم منح الفرصة لجيل الشباب».
لاحظ أن الشاب الذي يتحدث عنه الدكتور عبدالسميع، يشغل منصب وزير الاستثمار، ومرشحاً للمزيد في المستقبل، بالإضافة لكونه من أبرز واضعي السياسات بالحزب أي بالدولة.
وبالطبع لم يفت عبدالسميع، أن يحول الموقف كله إلى اتهام أو بلاغ، لكل من صفوت الشريف وكمال الشاذلي-وكأنهما ناقصين-، بضرورة إعلان التزامهما الحزبي الكامل، بتأييد الدكتور محمود في معركته الانتخابية، والتنصل من أي وعود سابقة بخلاف ذلك.
والحقيقة أن هناك الكثير من الأمور، قد أغفلها الدكتور عمرو في سياق- أو في سباق- إثبات ولائه للدكتور محمود، لا بصفته شاباً أو وزيراً أو قيادياً بالحزب، وإنما بصفته واحداً من جماعة الإصلاحيين.
أولها، أن الدكتور محيي الدين نفسه، لديه نفس النزعة العائلية، في معالجة الخلاف مع عمه الأكبر، والدليل على ذلك، أنه قد أعلن قبل عدة أيام، على هامش لقاء- حضرته شخصياً- مع جمعية المديرين التنفيذيين، أن انتخابات مجلس الشعب القادمة، ستشهد مرشحاً واحداً من عائلة محيي الدين، وقد قالها الوزير باللغة الإنجليزية، ثم عاد ليكررها بالعربية، ليضع الدكتور عبدالسميع فى مأزق دون أن يدري.
وثانيها، أن الدكتور عبدالسميع، كان أكثر ملكية من الملك، في المزايدة على مسألة المجتمع السياسي العصري، والتنافس من خلال البرامج والأفكار، ذلك أن الدكتور محيى الدين ليس ساذجاً، كي ينحي جانباً البعد العائلي، أو الفكر الريفي «المصطباوي»، أثناء إدارته لمعركته الانتخابية في كفر شكر- لاحظ أن الوزير دائماً ما يتفاخر بأنه فلاح-، وأظنه لن يبدد وقته بين أبناء دائرته، في شرح البرامج والأفكار، والعلاقة بين التحول الديمقراطي وإدارة الأصول، وإنما فى وضع تبريرات ذات علاقة بالثقافة الريفية، تفسر ترشحه ضد عمه، وفي عرض ما قام، وما سوف يقوم به من خدمات.
فهو ليس أقل ذكاءً سياسيًا من زميله «الإصلاحي» الدكتور يوسف بطرس غالي، الذى لم يصطحب معه برامج الحزب وأفكاره، في لقائه الأول مع أبناء دائرة المعهد الفني الشعبي، التى يترشح على مقعد الفئات بها، وفضل على ذلك، الاستعانة بخدمات المطرب الشعبي شعبان عبدالرحيم الشهير بشعبولا، بل وغنى معه- كما ذكرت صحيفة المصري اليوم أيضاً- «هييييييييه»!.
ولمن يسألني:و ما هي العلاقة بين شعبولا والبرامج والأفكار والإصلاح؟! أقول له: إنها السياسة يا غبي!.
وثالثها، أن الصراع بين كل من الوزير وعمه، يغلب عليه الطابع السياسي بالفعل، ليس بحكم الاختلاف بين برامج الحزبين اللذين ينتميان لهما، ولكن بحكم الصراع على مركز النفوذ داخل عائلة محيى الدين نفسها، ذلك المركز الذي تشارك فيه خالد مع زكريا محيى الدين، لمدة عامين بعد قيم ثورة يوليو، لينفرد به زكريا لفترة، قبل أن يزاحمه فيه فؤاد محيى الدين وينفرد به بدوره بعد ذلك، ليستعيده خالد بعد وفاة فؤاد في أوائل الثمانينيات، ويعتبر محمود نفسه الآن خليفته الشرعي.
كل ما في الأمر، أن خالد يرغب في تأجيل لحظة الخلافة، في حين لا يطيق محمود أن ينتظر أكثر من ذلك، والأمر كله لا علاقة له بالسن ولا الجيل ولا الشباب، ولكن بمن لديه القدرة على حماية مصالح العائلة.