جمهورية الوجود، أم الاستمرار، أم التنمية؟ (1)

جمهورية الوجود، أم الاستمرار، أم التنمية؟ (1)
محمد بكري

محمد بكري

6:59 ص, الخميس, 11 أغسطس 22

أساس وجود أى دولة هو الإنسان والإقليم، ويؤسس عليهما منظومة استمرارها من حكومة وسيادة، واستمرارية سياسية، وثقافة، وحضارة. التهديد الحقيقى لأى دولة يصيب عنصريْ وجودها. أما ما يعترى استمرارها لاحقًا فهى (المشاكل)، سواء المشاكل المغلقة (فتستهدف المسألة أولًا مع تحديد الهدف، فاستكشاف المعلومات المتعلقة بالحل، وأخيرًا تطبيق الأدوات والأساليب للوصول له)، أو المشاكل المفتوحة (التى لا يُعرَف لها نتيجة أو حل محدد لنقص المعلومات والمعطيات المتعلقة بها). يختلف الوجود والاستمرار عن التنمية، المعنية بارتقاء المجتمع ونقله من الوضع الثابت لوضع أعلى وأفضل، بالاستغلال الذكى للطاقات الكامنة والمتوفرة لديه وتوظيفها للأفضل، فتتحقق زيادة سريعة تراكمية ودائمة، عبر فترة من الزمن للإنتاج والخدمات، نتيجة استخدام الجهود العلمية لتنظيم العمل المشترك بين الحكومة والشعب.

لذلك فحديث الجمهورية الجديدة يلزمه تحديد هل ستكون جمهورية الوجود، لحماية إقليمها وشعبها؟ أم جمهورية الاستمرار، بالانغماس الدائم لحل المشاكل الحياتية لمصر القديمة حول دلتا النيل؟ أم جمهورية التنمية، بحسم تأمين عنصريْ وجودها، والتعامل الإيجابى مع مشاكلها، للانتقال لتنمية حقيقية تضمن استدامة آمنة للإنسان بإقليمه، خارج دلتا النيل لتبدأ مصر الجديدة؟

التفكير الموضوعى الموجع يشير لتهديد حقيقى لعنصريْ وجود مصر.. الإقليم والإنسان! تمثل القنبلة المائية لتداعيات سد النهضة تهديدًا حقيقيًّا لجغرافيا مصر واستمرارها وتنميتها بالضرورة. ولا يقل تأثير سد النهضة على الإقليم، عن تأثير النحر الجارى فى هوية المصرى ووعيه الجمعى من خلال أدوات الدين، والتعليم، والثقافة، والإعلام! الوصول للجمهورية الجديدة على مستوى التنمية يحتاج إلى حل حقيقى لتهديدات عنصرى الوجود. منطقية الوجود تحتِّم حل قضية سد النهضة بالاتفاق أو القضاء أو قوة الدفاع الشرعي، فانعدام رفاهية الزمن والانتظار يجعل معاملتها (كمشكلة مفتوحة أو مغلقة) خيار إستراتيجى فى غير صالح الوجود. أما النحر الإستراتيجى بالوعى الجمعى المصرى فسيجعل الشخصية المصرية تتآكل بهدوء غير محسوس، لتتحول إلى أرقام وأدوات تستخدم أرضًا تستضيف إخراجهم، سمادًا لزرع غيرهم.

لفهم خطورة ذلك نسترجع خطاب الحاخام شنيرسون 1994 المنشور بجريدة فولوغدا «سلافيانين» 2001 N4(32) (السلاف ومنهم الروس أكثر الناس تمردًا بالعالم، بسبب مخزون قدراتهم الفكرية والعقلية، التى أرستها أجيال عديدة من أسلافهم، وهى جينات لا يمكن تغييرها. يمكن تدمير سلاف روسيا. لكن لا يمكن احتلالهم أبدًا. لهذا السبب يجب القضاء على هذه البذرة، ونبدأ بانخفاض حاد فى عددها)- وبالمناسبة، فهذا الخطاب أحد إرهاصات الحرب الروسية الأوكرانية غير المعلنة-، فهل هذا ما يحدث مع شعب مصر من خلال نحر مكونات وعيه الجمعى تعليميًّا ودينيًّا وثقافيًّا وإعلاميًّا وفنيًّا، لحصره بمرحلة صراع الوجود كمشكلة، وابتلائه بمشاكل الاستمرار، لمنعه من القفز للتنمية الحقيقية؟ خاصة أن النظام العالمى الأجدد (لأن النظام العالمى الجديد 1994 انتهى بكورونا 2020)، بدأ فعلًا مع صندوق النقد الصيني، طريق الحرير، بنك التنمية الجديد الذى تقوده مجموعة دول “بريكس”، تخلخل الدولار، تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على اقتصاد العالم وتحالفاته، وهن أوروبا العجوز، تخبط أمريكا وإنجلترا بمقاومة التنين الصينى والدب الروسي، دخول الحكم بالأمراض والتكنولوجيا كلاعبين جدد بالسياسة الدولية!

النهضة الحقيقية لمصر آخِر 8 سنوات بالبنية التحتية والعاصمة الإدارية الجديدة والمشروعات الزراعية والسمكية والـ22 مدينة جديدة، ومنطقة العلمين الجديدة، والمستهدف من مؤتمر المناخ، وغيرها من مشروعات عملاقة تستهدف حلولًا لمشاكل جمهورية الاستمرار حول دلتا النيل، لاستمرار بقاء وصيانة ما ورثناه. أما جمهورية التنمية الحقيقية فيلزم لتوجيهها تأمين الوجود بجدية، وتنمية التربة والتمويل والفكر بأكثر جدية.

غير منتظر تنمية حقيقية لجمهورية مصر الجديدة دون محاور؛ إعادة شاملة لنظامها المالى والمصرفى وعلاقتها بالنظام المالى العالمى واستحداث آليات مالية جديدة ونظم التمويل الآمن- تطوير منظومة إدارة الدولة للخدمات العامة وإعادة الثقة بالقطاع الخاص ودراسة شراكات مطورة آمنة- منظومة تشريعية جديدة ومؤمَّنة لنظم

B.O.O) BUILD OWN AND OPERATE) البناء/ التملك/ التشغيل، دون التعهد بالتحويل للحكومة /BUILD OPERATE TRANSFER البناء والتشغيل والتحويل/BOOT BUILD OWN,OPERATE AND TRANSFER فيمتلك المستثمر المشروع لفترة معينة ثم يتم تحويله للدولة/D.C.M.F (DESIGN, CONSTRUCT MANAGE AND FINANCE التصميم، الإنشاء، الإدارة، التمويل/B.T.O (BUILD, TRANSFER AND OPERATE البناء والتحويل والتشغيل- اكتشاف ودراسات ومعلومات حقيقية وحديثة عن تربة الصحراء الغربية والشرقية والمياه الجوفية وتحلية المياه وصلاحية الاستغلال المطور لبحيرة ناصر وجدوى تقنية سائل نانو كلاي، المُزيد لخصوبة التربة الرملية الفقيرة باستخدام الماء والطين فقط، للزراعة بالتربة الرملية كتجربة دبى الناجحة- منظومة جديدة لبعث الفكر المصرى السوى وحمايته وتطويره- بناء جديد للإنسان المصرى تعليميًّا وثقافيًّا وتأطير الدين كمنهج حياة وليس أداة تحكم.

فى غياب المحاور السابقة، ستبقى مصر تدور بمرحلة مشاكل الاستمرار وليس قفزة التنمية الحقيقية! وأبرز دليل لذلك مشروع ممر التنمية بالصحراء الغربية كما قدَّمه د. فاروق الباز من 20 سنة، وقُوبل بهجوم شديد بالسنوات من 2011 إلى 2015! المشروع يناقش تأسيس (مصر جديدة) موازية لدلتا النيل تبدأ من بحيرة ناصر حتى العلمين و12 محورًا من الطرق العرضية، تربط الطريق الرئيسى بمراكز التجمع السكانى بطول 800 كم، وشريط سكة حديد للنقل السريع بموازاة الطريق الرئيسي. تمركز الهجوم (القديم) على محدودية المياه الجوفية، خزعبلية التمويل، عدم كفاية بحيرة ناصر، صعوبة تربة الصحراء الغربية، قصور الإدارة وقتها لإدارة مشروع بهذا الحجم.

ولكن مع ما عليه مصر الآن سياسيًّا وعسكريًّا وعمرانيًّا ودوليًّا، حتمًا نعترف بأن مصر حتى 2015 ليست هى مصر 2022! الاختلاف فى رؤية وتوجه وقرار القيادة السياسية وسطوع مفهوم الجمهورية الجديدة، المحتاج لإجابة حقيقية عن هويتها؛ هل هى جمهورية الوجود، أم الاستمرار، أم التنمية؟ تقديرى كمصرى مخلص، أن تبنِّى مفهوم جمهورية التنمية يحتم حلًّا لقضية الوجود والاستمرار أولًا، مع مشروع مواز لإنجاز المحاور المقترحة أعلاه. بخلاف ذلك سنكتشف أننا زبائن لخطاب الحاخام شنيرسون بصورة مختلفة!

التحدى الحقيقى هو حفظ وجود عنصريْ مصر كما بزغت على الأرض، لنتجاوز الوجود والاستمرار لمرحلة جمهورية التنمية، وبهذا المنطق سنناقش قضية ممر التنمية بعقلية المستقبل، ولهذا حديث آخر.

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]