جمال عبد الناصر قراءة بعد خمسين سنة

جمال عبد الناصر قراءة بعد خمسين سنة
طارق عثمان

طارق عثمان

6:17 ص, الأحد, 20 سبتمبر 20

1 – التقديس والإدانة

الجنازة فى سبتمبر 1970 قيل أنها الأكبر فى القرن العشرين. لكن جنازة الإمام الخمينى، فى يونيو 1989، كانت غالبا أكبر … فى كل الأحوال، كانت لحظة وفاة جمال عبد الناصر مفتاحاً لتدفق موجات كبرى من المشاعر داخل مصر وخارجها.

فى الداخل، كانت هناك دموع، سجلتها كاميرات غطت الجنازة لتليفزيونات دولية. وأكثر تلك الدموع تعبيرا كانت ما تعلق بالعيون، أعطاها تلألأ وهى شاخصة تنظر للأفق. كاميرا صحفى انجليزى التقطت مشهد لرجل يبدو فى الأربعينيات من عمره. ملامحه وملابسه تدل على انتمائه لدلتا النيل. يبدو بعيدا عن موكب الجنازة، لكن عيونه تتابعها، وفيها ذلك التلألؤ، فيها وجوم بقدر ما فيها حزن. اللقطة وجدت طريقها الى أرشيف البى بى سى. وقد بدت لى، خاصة النظرة فى عيون هذا الفلاح المصرى، قد اختزنت جوهر العلاقة بين الرجل الذى ذهب وبين «ناسه».

لماذا «ناسه»؟ فاجأنى السؤال من أحد معدى البى بى سى. الأفضل، فى رأى المعد الإنجليزى، «الناس».. رفضت، لأن تلك العلاقة لم تكن مع عموم المصريين، كما أنها لم تكن مع مصريين فقط. هذه العلاقة ربطت الرجل بمجموعات لم تحبه فقط، ولكنها آمنت به وتصورته تجسيدا لأمانيها. وكان خلف تلك الأمانى تصور لمشروع سياسى، ورؤية للتاريخ. ذلك التجسيد للأمانى وخلفه ذلك التصور والرؤية كانا فى عقل مجموعات كبيرة من المصريين، ومن العرب.

لكن ليس كل المصريين ولا لكل العرب. فى المقابل كان هناك كثيرون رأوا فى حكمه وفيما أدى اليه، كارثة عليهم وعلى مصر وعلى العالم العربى بأسره. فى هذه الرؤية المضادة ناصر وعصره وسياساته وما مثله مفتاح فهم التراجع الذى حدث فى مصر على مدى العقود السبعة الماضية.

قوة واندفاع المشاعر فى رؤية جمال عبد الناصر أثارت فريق الإعداد فى البى بى سى. المشروع كان سلسلة من أربعة حلقات طويلة (كل منها ساعة) تحكى لمستمع عالمى عن «صنع العالم العربى الحديث»، والصنع هنا بمعنى الأسباب التى أدت الى ما وصل اليه العالم العربى فى العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين. هذه الأسباب وراءها مسببات.. مشروعات سياسية امتلكت من الأدوات وكان عندها من الطاقة والزمن أن تفعل فعلا مؤثرا فى المجتمعات العربية. وقد خرج من تشابكات وصراعات تلك المشروعات السياسية ما دخل فى أعماق الوجدان العربى، ما صاغ فكره، وما ترك أثره فى حياة الناس.

وأنا اكتب السلسلة للبى بى سى، اخترت أربعة مشروعات. الأول كانت التجربة الليبرالية، خاصة فى مصر فى الفترة من نهايات الحرب العالمية الأولى الى نهايات الحرب العالمية الثانية، لكن مع ادراك أن تلك التجربة كانت مرتبطة بحركات أثرت فيها وتأثرت بها فى المشرق وفى المغرب.

المشروع الثانى كان القومية العربية منذ بداياتها الجاده فى نهايات القرن التاسع عشر فى الشام، مروراً بأفكار الهاشميين الذين خرجوا من الجزيرة العربية داعون (و محاربون – بدعم انجليزى) من أجل إقامة مملكة عربية فى كل المشرق. وصولاً إلى التجلى الأهم للمشروع فى فترة جمال عبد الناصر. وانتهاء بمن جاءوا فى سبعينيات وثمانينات القرن العشرين وقالوا انهم يحكمون باسم هذه الفكرة.

المشروع الثالث كان الإسلام السياسى فى العالم العربى، بأوجهه وتدفقاته المختلفة، والأهم بالتطورات الكبرى التى مر بها منذ ثلاثينات القرن العشرين إلى العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين.

أخيراً المشروع البادئ، والذى يبدو مختلفاً، مشروع النظر للمستقبل بعيداً عن إرث تلك المشروعات السياسية القديمة، ومحاولا الخروج (أو الهروب) من أثرها. هذا المشروع الرابع هو محاولات التغيير التى بدأت فى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، بمحاولات ثقافية (فى الرواية العربية، ثم بعدها فى السينما ثم فى المسرح، ومع كل ذلك، تعبيرات جديدة فى الموسيقى). هذا المشروع تجلى، بالطبع، فى مد الثورات العربية فى العقد الماضى.

كل المشروعات (أو كل حلقات السلسلة للبى بى سى) وجدت صدى. البعض أحب وحيا، والبعض رفض وعبر عن رفضه. لكن التفاعلات بعد حلقة مشروع القومية العربية كانت، ليست فقط متدفقة، لكن أيضا ساخنة. قليلة كانت التحليلات، كثيرة كانت المشاعر. كثيرون أرادوا أن يُعَرفونى «من هو جمال عبد الناصر». البعض وصل الى قمم الجبال (ومنهم من ذكرنى بوصف نزار قبانى: «مسيح العرب الجديد») والبعض نزل به إلى مستنقعات التاريخ.

لعل تعبير أحد أعضاء فريق الاعداد (وهى سيدة انجليزية من أصول إيرانية) لى، أن العديد من التفاعلات ذكرتها بحرارة المشاعر فى إيران مع وضد الإمام الخومينى، كان دالاً. ذلك أن جمال عبد الناصر ما زال حتى الآن قابعاً فى الوجدان العربى (وليس فقط المصرى) كونه كبير.. للبعض هو مصدر طاقة والهام وتعبير عن اللحظة الوحيدة فى العصر الحديث التى بدت فيها احتمالية صعود قوة عربية قادرة ذات إرادة ورافضة للخنوع أمام المصالح غير العربية.. وللبعض الآخر حمل ثقيل دفع المجتمع المصرى ثم العربى ثمناً كبيراً لضعف أدائه وفشله.. وكان أن دفعتنى حرارة المشاعر مع وضد، أن أعاود زيارة ليس مشروع القومية العربية، لكن مشروع جمال عبد الناصر.. ولعل مرور خمسين سنة على موت الرجل تسمح برؤية فيها بُعد. وفى البُعد مشاعر أقل وتفكير أكثر.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن