لحظة الصعود (7)
صعب تصور ماذا كان يدور فى عقل جمال عبد الناصر وهو على أبواب أزمة السويس .. الرجل لم يكتب، ومن كتبوا كانوا إما من الأعداء أو أقرب الأصدقاء .. وفى الحالتين نحن أمام المشكلة نفسها التى تحدثنا عنها من قبل فى هذه الوقفة مع جمال عبد الناصر بعد خمسين سنة من وفاته: معرفة ما جرى، بعيداً عن التقديس والإدانة، والتفكير فى مشروعه ككل.
لكن الرجل تكلم، إذ إن خطابه فى الأزهر ومصر على شفا الحرب التى عُرِفت بالعدوان الثلاثى (البريطاني، الفرنسي، الإسرائيلي) فى خريف 1956، كان واحداً من أهم خطاباته – ليس فقط لأن الكلمات نجحت فى تجسيد فكرة الكرامة وفى شحذ همم ملايين المصريين إذ بدوا وقتها على استعداد للحرب من أجل إفشال ذلك العدوان .. ولكن أيضًا لأن الكلمات وما حملته من معان وصلت إلى ملايين خارج مصر فى كل أنحاء العالم العربي.
تلك كانت لحظة التغير الجذرى فى مسار وقيمة المشروع الناصري.
الحرب انتهت بانتصار إستراتيجي، وليس بالضرورة عسكرياً – بمعنى أن نهاية الحرب (و قد جاءت بتهديد سوڤيتى للندن وباريس، وبرفض أمريكى لتقديم مساعدات اقتصادية كانت أوروبا وقتها فى أشد الحاجة إليها، خاصة بعد تراجعات كبيرة فى قيم العملات الوطنية) جاءت وأهداف العدوان قد فشلت. وكانت نتيجة ذلك أن ترسخ تأميم مصر لقناة السويس كواقع على الغرب التعامل معه .. وكانت تلك الخطوة وقتها من الأساطير – أن تتمكن دولة كانت قبل شهور معدودة تحت مظلة الإمبراطورية البريطانية من تحدى وإفشال أهداف بريطانيا وفرنسا، وتكريس تأميم واحدة من أهم قنوات الملاحة فى العالم.
نظر ملايين فى العالم العربى إلى الرجل الذى تحدى والذى مثل الكرامة والذى انتصر، بما هو أكثر من الإعجاب .. بدا ذلك الرجل طويل القامة، الأسمر بملامح مصرية، ذو الصوت الجهورى، وكأنه مارد خرج من صعيد مصر، وجَسّد طموحات ملايين العرب، كانوا وقتها يخرجون ببطء من تحت السيطرة االغربية التى استمرت لعقود وعقود (وقبلها سيطرة عثمانيين ومماليك، استمرت لقرون وقرون).
فى تلك اللحظة جاء العرب إلى مصر، بأكثر كثيراً من أن خرجت مصر للعرب – بمعنى إن النصر الإستراتيجي، والجانب النفسى الذى وصلت أصداؤه إلى أعماق العقل والوجدان العربيين، أقنعا ملايين فى المغرب والمشرق بأن طموحاتهم المطحونة منذ عقود، قابلة للتحقق .. وكالعادة فى التاريخ العربي، تتطور الطموحات لتصير أحلام، وبسرعة تخرج القصص من الواقع لتصير حكايات وحكاوى .. وهكذا، فى شهور قليلة فى النصف الثانى من خمسينات القرن العشرين، تحول جمال عبد الناصر من قائد حركة عسكرية تحولت إلى ثورة أسقطت نظام أسرة محمد على فى مصر، وكانت فى مرحلة بحث عن طرق للتحرر وللتطور، إلى زعيم تجسدت فيه أحلام مقهورة منذ عقود (إذ لم يكن منذ قرون).. وكان الرجل على استعداد لقبول الزعامة.
والحقيقة أنه من المستحيل تصور رفض تلك الزعامة. كما أنه من العدل تذكر أن عدداً ممن كتبوا عن تلك الفترة، خاصة من مفكرى الشام، أكدوا أن جمال عبد الناصر بدا لهم (و بعضهم قابله وتكلم معه فى تلك الشهور) متردد من تطوير الزعامة التى أضفيت عليه والأحلام التى وُضِعت بين يديه، إلى مشروعات سياسية.
كما أنه من العدل وضع الأمور فى نصابها التاريخي. ذلك أن النصر الإستراتيجى لمصر فى حرب السويس وصلت أصداؤه إلى أبعد من حدود العالم العربي. ولعل كتابات لمفكرين فى آسيا كما فى الولايات المتحدة توضح حجم الذهول من قيمة النصر المصرى (وهزيمة الإمبراطورية البريطانية خاصة) .. والمهم هنا هو أن تصورات غير عربية رأت فى النصر والهزيمة بداية مرحلة جديدة من العلاقات بين العالم الثالث (كما كان يُعرَف وقتها) وبين الغرب .. أى أن الطموحات العربية (وإن كان ليس بالضرورة الأحلام) كان لها ما يبررها (حتى بمقاييس المتابعين من بعيد).
أيضًا من العدل تذكر أن الهزيمة الإستراتيجية لبريطانيا وفرنسا (وهما من هما فى الثقل الحضارى فى الغرب) لم تمر مرور الكرام على واضعى الخطط الكبرى والأفكار طويلة المدى فى عدد من أهم العواصم الغربية. والنتيجة أن ظهرت، بسرعة بعد حرب السويس، عدد من المشاروعات الاستراتيجية الغربية تريد تطويق المد الثورى الرافض للهيمنة الغربية وقتها. وكانت أغلب هذه المشروعات واضحة، لا تحتاج إلى الكثير من التحليل أو المعرفة بدخائل الأمور فى الغرب. كل ذلك زاد من قيمة ما مثله جمال عبد الناصر وقتها، كما زاد من الدفع الفكرى وراء الطموحات .. وبالضرورة كَبر من الأحلام، وعبأ أكثر وأكثر مما هو عاطفى ومشاعرى فى رؤية الرجل.
لكن، وسط تلك الطموحات والأحلام والمشاعر، هل تطور مشروع جمال عبد الناصر من تصوراته الداخلية عن التحرر والتطور، إلى ما يمكن أن يلاقى الطموحات والأحلام العملاقة التى وضعتها جموع مهولة من كل أنحاء العالم العربى لديه؟ هل أعاد النظر، فى تلك اللحظة، فى طريقة تعامله مع ما وجد فى مصر عند وصوله للسلطة؟
* كاتب مصرى مقيم فى لندن