جمال عبد الناصر‪ .. تفكير بعد خمسين سنة .. (2)

جمال عبد الناصر‪ .. تفكير بعد خمسين سنة .. (2)
طارق عثمان

طارق عثمان

5:58 ص, الأحد, 27 سبتمبر 20

أين ننظر

 التاريخ يُثمل الشعوب، فى رأى الكاتب بول فاليرى. النقطة الرئيسة عنده ان اللحظات الفارقة فى حياة الشعوب تأخذ معانى مختلفة، تقوى او تُضعِف مصالح معينة، وتترك وراءها سرديات بعيدة عن مجريات ما قد حدث فعلاً. لأن المصالح تحاول كسب الرأى العام، و(غالباً) تخلق  تتابعات أحداث، ومنطق لتلك الأحداث، ومواقف لمختلف اللاعبين تعبر عن رؤاها. والنتيجة سرديات يُقال عنها تاريخ، بينما هى مجرد سرديات‪ (و فى السرديات مبالغات، وأحيانا كذب). 

ولأنه اذا كانت المقدمات غير صحيحة، فإن النتائج بالضرورة غير صحيحة، فعلى قراءات الماضى المتجردة من المصالح ان تتجرد أيضا من السرديات المختلفة. 

لكن ذلك صعب فى الحقيقة، لأن الكتابة التاريخية غالباً خارجة من خلفيات معينة، هى نفسها متأثرة بسرديات معينة. لكن اذا جاءت الكتابة التاريخية بعد عقود كثيرة بعد ما تكتب عنه، فهناك فرصة معقولة للتجرد فى النظر للتاريخ.. وهذا ما تحاول هذه السلسلة ان تفعله فى قراءة مشروع جمال عبد الناصر بعد خمسين سنة من موت الرجل، وبدون فيض المشاعرالذى تحدثت عنه فى المقال الأول من هذه السلسلة. 

 نصف قرن من الزمن يخلق بُعد تاريخى.  و ذلك بالضرورة فاصل بين الحاضر وبين العصر الذى تدور حوله الكتابة.  البعض قد يختلف مع هذه النقطة. ذلك لأن هناك رأى يرى ان نصف قرن فترة صغيرة فى عمر الدول، خاصة تلك مثل مصر حيث التغيرات الكبرى نادرة وحيث الثقافة الزراعية، المحبة للسكون وللاستمرارية، ضاربة فى أعماق الشخصية العامة. من هذه الرؤية فإن النظام الذى اسسه جمال عبد الناصر ما زال متحكما فى البلد.. ليس بادوات الخمسينات والستينات ولكن بمنطقها. 

فى المقابل، هناك رأى يرفض التعميمات، مثل ان مصر، بحكم جغرافيتها وتاريخها، محكومة بالتأثر بالعقلية الزراعية.  هذا الرأى يرى تغيرات كبرى فى هيكل المجتمع المصرى، وفى أسلوب حياته، وبالطبع فى مصادر ومراكز الثروة فيه، ومن ثم فإن هذا الرأى يرى ان أى ربط بين مصر العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين ومصر منتصف القرن العشرين تبسيط مّخِل للتاريخ ولفهم الاقتصاد السياسى للدولة. 

هناك عامل بُعد أخر فى محاولة رؤية عصر عبد الناصر الأن، وهو المصادر.  للأسف غالبية ما قيل وكتب عن الرجل وتجربته فى العالم العربى كان مُسييسا، وكثيرا ما كان بدرجة مذهلة، سواء من التقديس او من الذم. والمشكلة هنا ان رؤية الرجل ومشروعه كانا متأثران  بما هو أكثر من المشاعر الشخصية. كان هناك فَعل الدول، سواء فى مصر نفسها او فى المشرق او المغرب او فى الخليج. وذلك مفهوم. قوة تأثير تجربة عبد الناصر (إيجابا وسلبا) جعلت من المهم لدول عربية مختلفة ان تحاول التأثير فى الوعى العربى العام بتلك التجربة. بالإضافة الى ذلك، كانت هناك محاولات عديدة لربط عبد الناصر بقضايا مختلفة فى العالم العربى، كانت الماكينة الإعلامية لعبد الناصر قد أكثرت الحديث عنها، ولكن كانت التجربة الحقيقية ذات تأثير محدود فيها. ذلك الربط أضفى على مشروع عبد الناصر ابعاد واسعة جعلت أساس التجربة، والشخصية الكامنة فيه، باهتان فى الصورة العامة.  

التسييس كان ايضاً موجودا فى الكثير من المصادر الغربية. لان أهمها كتبه سياسيون غربيون، خاصة فى إنجلترا، راؤا فى عبد الناصر عدوا وتهديدا. او فى المقابل، هناك كتابات، مثلا فى روسيا، امتلئت بمبالغات لانها رأت الرجل كحليف كبير ضد اعدائها الغربيين، وقد كانت بعض هذا الكتابات بروباجاندا داخلية غير معنية كثيرا بالتاريخ، بقدر ما هى معنية بافتراضات تريد فرضها.

بعض المفكرون الاستراتيجيون المهمون فى الغرب تناولوا مشروع جمال عبد الناصر، لكن دائما بشكل سريع، وغالبا ما ربطوه بحركة القومية العربية وتراجعها من الأفكار التقدمية فى بدايات القرن العشرين الى ايدلوجيا استعملتها العديد من النُظم العربية الدكتاتورية. بعضهم تناول مشروع عبد الناصر من فكرة التحول الديمقراطى. وفى الحالتين مشروع عبد الناصر مُدان. لكن، مرة أخرى، الإدانة جاءت سريعة بدون غوص فى عمق المشروع: ما الذى جاء به؟ ما الذى أعطاه قوة الدفع الكبرى التى كانت له لعقدين من الزمن؟ والتى استمرت مع الفكرة التى أخذها اسم عبد الناصر فى عقول ملايين العرب؟  لذلك فان اغلب المصادر الغربية قد تكون مفيدة فى رؤية زوايا للصورة، لكن ليس أكثر.  

هناك احتياج اذن لوقفة جديدة، عربية، متجردة مع مشروع جمال عبد الناصر.. تحاول ان تجاوب عن السؤال الذى طرحه منتجوا سلسلة الـ (‪BBC) لى عن علاقة الرجل بالناس (راجع المقال الأول فى هذه السلسلة).

* كاتب مصرى مقيم فى لندن