تأملات فى نسيج أسامة أنور عكاشة ( الجزء 9)

تأملات فى نسيج أسامة أنور عكاشة ( الجزء 9)
طارق عثمان

طارق عثمان

7:26 ص, الأحد, 6 مارس 22

رحلة القلب

إذا كانت المصراوية، كما رأينا فى الأجزاء السابقة من هذه السلسلة، هى رحلة الوجدان المصرى من شمال الصعيد وجنوب الدلتا إلى القاهرة، مركز ذلك الوجدان، فهذه كانت رحلة العقل. رحلة القلب تبدأ وتنتهى فى مكان آخر، من وإلى الإسكندرية.

الحب لا يعرف مبررات- وكما قال وعاد نجيب محفوظ فى ميرامار (وهى من قصائد العشق فى روح الإسكندرية): «لا تلُمْنى».

ونحن لا نلوم أسامة على عشقه للإسكندرية؛ فهو كغيره من مبدعى مصر لم يعرف مبررات لعشقه، لكنه أدرك بحِسّ الإنسان المصرى، قبل أن يدرك بحاسّة الفنان، أن قصة الحب مع مصر تجد أجمل تعبيراتها فى الإسكندرية.

هناك فى تلك المدينة القديمة حدثت القفزة الأولى فى تطور الوجدان المصرى. إلى هناك ذهب ذلك الوجدان، وكانت تلك الرحلة؛ خروجه لأول مرة من وادى النيل. المقصد كان قريبًا من ناحية الجغرافيا، ولكنه كان شديد البعد من ناحية الوعى. تلك الرحلة الأولى كانت من دنيا النهر والزرع إلى دنيا البحر والتجارة. من الحياة على الوادى الضيق الخصب حيث الفلاح المصرى متلقى نور الشمس وطمى الخصب وماء متدفق قادم من أراض بعيدة، وحيث الفلاح المصرى زارعًا فى الأرض وآخذًا منها، إلى الحياة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ناظرًا إلى أفق لا ينتهى، يأتى إليه كل حين وآخر بالجديد مما لا يعرف، وأهم ما يأتيه أفكار من حوض ذلك البحر الذى شهدت شواطئه أروع تخصيب للفكر الإنسانى فى التاريخ القديم.

الوجدان المصرى وصل بين الوادى والشاطئ، لكن بقى للنيل- للصعيد والدلتا، وللسيدة الكبيرة الثابتة فى التاريخ، القاهرة- حصة الأسد فى تكوين الوعى. لكن هناك على الشاطئ، رويدًا وعلى مرّ عصور، بدأ البحر ينحت هياكل جديدة لفكرة المصرية. وكان أن من أتوا من حوض المتوسط الواسع نفخوا فى النحت روح الحياة فتمثَّل على الشاطئ خَلقًا جديدًا، فيه مما حمله وجدان مصر من وادى النيل، وفيه مما ترسّب ونحتته الأمواج المنكسرة على الشاطئ مما أتى من حوض المتوسط الجميل.

والحقيقة أن رحلة القلب رحلات. كل عشق رحلة. كل حلم برق أو انزوى رحلة. ولذلك فإن رحلة أسامة أنور عكاشة الأخيرة فى الإسكندرية- زيزينيا- بدأت «باسكندرية تانى»، عود على بدء، دائرة آخِرها يسلِّم إلى أولها، نهايتها تصل لبدايتها. والرحلات جميعها داخل الدائرة، جميعها تفاصيل القصة الأكبر، رحلة القلب المصرى فى هوى هواء البحر.

العشق أنواع. عشق أول العمر انفتاح على الدنيا. عشق الشباب اندفاع لأخذ ما فى الدنيا. عشق وسط العمر حوار هادئ مع الدنيا (ما أعطت وأخذت، وما يظنه العاشق ما زال فى جعبتها). وعشق أواخر العمر ابتسامات من العاشق ومن الدنيا (فيها دفء لكن بلا نشوة).

وهكذا كانت قصص عشق الوجدان المصرى الحديث مع الإسكندرية. مصر التى خرجت من القرن التاسع عشر بعد أن عاشت طموحات وانتصارات ثم انكسارات مشروع محمد على وإبراهيم وإسماعيل باشا، جاء وجدانها إلى الإسكندرية ليرتاح. ولم تكن مصادفة أن القصر الذى اعتزل إليه محمد على باشا بعد أن ضاع الحلم وانهارت الإمبراطورية المصرية الوليد (عقب الهزيمة على يد الأسطول البريطانى ثم توقيع معاهدة 1840) كان فى ضواحى الإسكندرية حيث الباشا (كما تصوِّره لوحة معبرة للفنان جان فرانسوا بورتيل) ناظرًا إلى البحر (وإلى ما كان وراح) بسكينة مَن عرف ثريات الفرح وهاويات الشجن.

ثم كان أن جاء خروج الوجدان المصرى إلى انطلاقات بدايات القرن العشرين عندما كانت مصر مقصد ثروات ومواهب من- تقريبًا- كل نواحى حوض البحر الأبيض المتوسط. عندها جرى الوجدان المصرى الحديث شابًّا يريد الدنيا وما فيها. ووقتها كانت الإسكندرية حديقة ذلك الوجدان، حيث زرع فيها أجمل زهوره، وحيث جن فخرج من جنونه جمالٌ وصل أحيانًا إلى حدود الكمال. تلك كانت واحدة من أجمل قصص العشق المصرى حيث تشكلت فى الإسكندرية إبداعات من أجمل ما أنتجت الثقافة المصرية فى عصرها الليبرالى (من عشرينيات القرن العشرين إلى بدايات الخمسينات عندما انتهت التعددية السياسية).

أسامة يدرك كل ذلك. لذلك أسامة هنا مثل لورانس دوريل فى رباعية الإسكندرية (وهى أيضًا من قصائد العشق فى هوى تلك المدينة) عارفًا أن مفتاح الوجدان المصرى فى تمشيته على شاطئ البحر هو الحب. والحب فى أوله وآخره امرأة.

لكن تلك أول أسئلة الحب الصعبة للوجدان السارح على الرمال البيضاء. ذلك لأن الإسكندرية (كما سنرى فى المقال المقبل فى تلك السلسلة) امرأة ذات وجوه عديدة.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن