تأملات فى نسيج أسامة أنور عكاشة (الجزء 7)

تأملات فى نسيج أسامة أنور عكاشة (الجزء 7)
طارق عثمان

طارق عثمان

6:20 ص, الأحد, 20 فبراير 22

– القاهرة بين الخديوية والملكية

كان لا بد للنور الهادى ونسيم البحر القادم من الشمال (نوراي) أن يقابل الماء المتدفق والطمى القادم من الجنوب (العمدة) فى القاهرة- نقطة التقاء الوادى مع الدلتا، نقطة المركز التى يتفرع النيل- شريان حياة مصر- بعدها.

القاهرة هنا أرض الميعاد التى أتاها العمدة بعد رحلته الطويلة، مكان اكتمال وجدانه وعبوره محدودية ذاته ليلتحم بمن ستكمله.

القاهرة ليست فقط مكان اللقاء، بل صاحبته. القاهرة مالكة الوجدان، وربما ملكته. فهى ليست صدفة أن نقطة لقاء الوادى مع الدلتا، نقطة مركزية النيل قبل تفرعه، هى منذ الأزل عاصمة بتاح إله الوعى عند المصريين القدماء، هى هليوبوليس، مدينة الشمس على أرض مصر- ومصر عند من فهموها، منذ القدم، تصوير السماء على الأرض، تمثيل الفلك، وربما استيعابه على أرض مقدسة. القاهرة إذن أرض كل ميعاد بين الشمال والجنوب، بين النسيم والطمى. القاهرة مكان كل اكتمال لوجدان مصر.

القاهرة هنا فى حُلّتها الملكية. خرجت لتوِّها من العصر الخديوى. لبست الجديد، وابتعدت كثيرًا عن الجبل والقلعة والمزارع المخصبة بالسواد العفى المتدفق من الجنوب. كما أنها ابتعدت كثيرًا عن قصور ومدارس ومساجد مماليكها. العصر الخديوى رفع عيونها نحو البحر الأبيض وما بعده، وكان بعد أن رأت أن ابتسمت سيدة الشرق (نقطة المركز، جوهر الوجدان) لذلك السيد الواثق طالب المجد له ولها- إسماعيل باشا.

صحيح أن إسماعيل خسر رهانه- وكان كجدِّه محمد على كما سيكون من سيهدم ملك عائلته بعد عقود (جمال عبد الناصر)- غير قادر على فهم تقدير القوى الكبرى لمعنى صعود مصر. إسماعيل ذهب بعيدًا، إلى إيطاليا ثم إلى تركيا، ومات بعد سنين مريضًا حزينًا؛ ليس فقط على ضياع الملك، ولكن أيضًا على تسرسب الحلم. لكن خسارة الرهان لم تنهِ انتقال القاهرة من حال إلى حال.

القاهرة التى أتاها عمدتُنا كانت عاصمة أهم ممالك الشرق. كانت السيدة الثابتة فى موقعها بعد أن هَوَت إسطنبول فى بحور من الارتباك إثر ضياع إمبراطوريتها، وبعد أن زحف الفقر والخوف على دمشق وبيروت فى أعقاب الحرب العالمية الأولى. القاهرة وقتها كانت قِبلة وملاذ مئات الألوف من الهاربين من الفقر أو الدمار فى الشام والجزيرة العربية والقوقاز وأرمينيا وجنوب أوروبا ومن جزر البحر الأبيض كمالطا وقبرص.

لكن أهمية القاهرة هنا كانت فيما هو أكبر من مشروع سياسى بدا كحُلم بعد سقوط الدولة العثمانية، وأهم من بدايات ثراء حمل فى طياته احتمالات تحولات اقتصادية كبرى، وأيضًا أهم من الاستقرار وسط شرق بدا كبحرٍ تملؤه أمواج عاتية.. الأهمية كانت فى ريادة مصر وقتها- وفى قلبها ملكة الوجدان، القاهرة- لنوع جديد من الثقافة الشرقية، استوعبت ما سبق وشكل الماضى، ولكنها جرت نحو الجديد الذى يُشكل الحاضر.

سيدة الشرق وقتها فتحت خزائنها من التاريخ الغنى فملأت عطور الأفكار الأجواء وتلألأت جواهر من الفن فى المرايا والعيون وفى خيال من غاصوا وقتها فى وجدان سيدة الشرق. وفى اللحظة نفسها التى فتحت فيها خزائن التاريخ فُتحت الأبواب، فجاءت من الشام والجزيرة، ومن شطآن البحر الأبيض المتوسط عطور جديدة وجواهر أخرى.

وكانت العبقرية (كما أبدع فى شرحها بعد ذلك بعقود جمال حمدان) فى أن المكان، فى تلك اللحظة الفوارة، استمر يعبر عن التاريخ، كما أن الحاضر، كما كان فى عصورٍ مضت، استمر يمثل الجغرافيا.

وكان بيت عمدتنا ونوراى على نهايات وسط المدينة الخديوية هو رمز تلك القاهرة، كما سنرى فى المقال المقبل.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن