باب الأمل والرجاء ، باب رحب ، فتحه الله تعالى لعباده المؤمنين ، ليتواصلوا صلة دائمة مع السماء ، ولم يغلقه جل شأنه حتى أمام الخاطئين ، ففتح لهم أبواب الرجاء وأبواب العودة إلى رحاب الله والإسلام.
يقول الله تعالى فى قرآنه الكريم :
« وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ » ( الطور 48 ، 49 )
ويقول سبحانه للمتقين :
« إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ » ( القمر 54 ، 55 )
فى الحديث النبوى :
« كل البشر خطاءون ، وخير الخَطَّائين التوابون » صدق رسول الله
ويقول لنا رب العزة عن نفسه سبحانه وتعالى :
« حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ» ( غافر 1 3 )
وهكذا نرى أن غفران الذنب ، وقبول التوبة ، سابقان على ذكر العقاب.
هذه المغفرة الموعودة ، باب كبير من أبواب الرجاء فى الإسلام ، فتحها الرحمن الرحيم حتى لمن أخطأ وحاد من عباده.
يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام :
« نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » (الحجر 49 )
ويقول لنا عن نفسه عز وجل :
« وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ» (الشورى 25 )
ويحدثنا الرحمة المهداة عليه الصلاة والسلام ، فيقول لنا :
«التائب من الذنب كمن لا ذنب له»
«إن الله عز وجل يبسط يده بالتوبة لمسىء الليل إلى النهار ولمسىء النهار إلى الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» صدق رسول الله
● ● ●
نقول بلغة اليوم إن الأمل قاطرة الإنسانية.
ولكن القرآن الكريم علمنا من أربعة عشر قرنا أن « الرجاء » هو ملاذ المؤمن ، ودافعه للاستمساك بالصراط ، والعودة إليه إذا ما فرط منه خطأ.
يذكر له رب العزة أن من تاب وعمل عملاً صالحًا يغفر لهم سبحانه ، ويبدل سيئاتهم حسنات. « إلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا » ( الفرقان 70 )
باب الرجاء يفتح للمؤمنين رحمات ربهم ، فسبحانه وتعالى يعدهم : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » ( الحديد 28 ).
فضيلة العفو الإسماح ، من قيم الإسلام وأبواب الرجاء فيه. بها يتجدد الأمل فى الإصلاح والعودة إلى رحاب الدين. حين انتصر عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة ، سأل المشركين الذين أذاقوه والمسلمين من صنوف العذاب ألوانًا : « ماذا تظنون أنى فاعلٌ
بكم » ؟ قالوا : « أخٌ كريم وابن أخٍ كريم ». قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء.
إلى المسلمين كان عليه الصلاة والسلام يقول :
« الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء »
« لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ».
● ● ●
أخطر ما تقع فيه المجتمعات ، وتشريعاتها ، أن تسد باب الأمل والرجاء والعودة إلى الحياة السوية فى وجه من أخطأ ، فالأثر الحتمى لغلق باب العودة، أن يمعن المخطئ فى خطئه ، وأن يمضى الجانح فى جنوحه ، والشارد فى شروده ، والمجرم فى إجرامه ، أيًّا كان نوع هذا الإجرام ، فهو وراء ما اعتاده ما دام المجتمع قد أغلق فى وجهه باب الأمل والرجاء ، ويرفض عودته إلى الحياة القويمة ملتزمًا بروحها وقوانينها وسننها.
المجتمعات تدفع ثمن هذا الإيصاد الغير حكيم ، ولا يدفعه الشارد أو الجانح وحده ، فما يصيب المجتمعات من أضرار وأخطار أعرض وأبعد وأعمق مما يصيب المحروم من العودة ، فهو وأمثاله يصيرون بفقدان الأمل شحنات من الشر والإجرام ، ومقارفة محارم القانون ومحارم الأخلاق ، ويضرون بمجموع الناس وبالمجتمعات ضررًا بالغًا !
● ● ●
فتح باب العودة إلى السواء ، وإعطاء الأمل والرجاء ، أصل من أصول الدين، نراه واضحًا جليًّا فى الإسلام الذى فتح للعودة للسواء عدة أبواب ، لا بابًا واحدًا..
تفتح أبواب الأمل والرجاء ، وتكفل للإنسان استئناف مسيرته متشجعًا وهو برىء من الذنوب والأوزار التى تَطَهَّرَ منها.
www. ragai2009.com