«المفوضية الأوروبية»: ضخ 572 مليار دولار فى أكبر تمويل أخضر فى تاريخ التكتل

مع إصلاح أكبر ركود للقارة العجوز منذ الحرب العالمية الثانية

«المفوضية الأوروبية»: ضخ 572 مليار دولار فى أكبر تمويل أخضر فى تاريخ التكتل
خالد بدر الدين

خالد بدر الدين

6:16 ص, الثلاثاء, 11 أغسطس 20

أعلنت أورسولا فون دير لين رئيسة المفوضية الأوروبية أن حكومات الاتحاد الأوروبى وافقت على ضخ تمويل أخضر قيمته تتجاوز نصف تريليون يورو ( 572 مليار دولار) فى أكبر خطة فى تاريخ التكتل للمحافظة على المناخ من خلال تطوير قطاعات عديدة من السيارات الكهربائية إلى الطاقة المتجددة وحتى تكنولوجيا الزراعة.

وأكدت سفينيا شولز وزيرة البيئة الألمانية أنه لم يحدث من قبل أن خصصت موازنة الاتحاد الأوروبى مثل هذا التمويل الأخضر الضخم لمكافحة التغير المناخى وحماية البيئة مع سعى أوروبا لتصبح أول قارة فى العالم خالية من الانبعاثات الكربونية بحلول عام 2050 لتتفوق على الولايات المتحدة والصبن والهند وتتصدر دول العالم فى حربها ضد الارتفاع المستمر فى درجات حرارة الأرض والذى لن يستطيع أحد منعه.

كان زعماء الاتحاد الأوروبى توصلوا إلى اتفاق بشأن حزمة إنعاش تاريخية لمرحلة ما بعد أزمة فيروس كورونا، الذى يسبب مرض كوفيد-19 المميت أثناء مفاوضات ماراثونية بشأن ميزانية للسنوات السبع المقبلة وصندوق انتعاش ضخم فى خضم تداعيات الوباء.

يأمل زعماء الاتحاد الأوروبى فى أن يساعد صندوق التعافى البالغ حجمه 750مليار يورو (857.33 مليار دولار) والميزانية المرتبطة به البالغ حجمها 1.82 تريليون يورو (حوالى 2.1 تريليون دولار أمريكي) لأعوام 2021 إلى 2027 فى إصلاح أكبر ركود فى تاريخ القارة العجوز منذ الحرب العالمية الثانية بعد أن تسبب تفشى وباء كورونا فى تجميد معظم القطاعات الاقتصادية معظم شهور النصف الماضى.

وجاء أمل الزعماء بعد أن أبرموا اتفاقا تاريخيا بخصوص خطة حوافز ضخمة لاقتصاداتهم التى تضررت من أزمة كورونا بعد قمة عسيرة استمرت لنحو خمسة أيام يمهدوا الطريق أمام المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، لجمع مليارات اليورو من أسواق المال بالنيابة عن الدول الأعضاء البالغ عددها 27 دولة، وذلك فى تضامن غير مسبوق منذ حوالى 70 عام من التكامل الأوروبي.

وذكرت وكالة بلومبرج أن هذا التمويل الأخضر الضخم يأتى ضمن الاتفاق غير مسبوق الذى توصل إليه زعماء الاتحاد الأوروبى منتصف الشهر الجارى لتخصيص موازنة تمتد لسبع سنوات بقيمة 1.82 تريليون يورو (حوالى 2.1 تريليون دولار أمريكي) لمواجهة أسوأ ركود فى تاريخ الاتحاد الأوروبى بسبب وباء فيروس كورونا من جهة والتوترات التجارية العنيفة بين واشنطن وبكين حول الرسوم الحمركية وتكنولوجيا الاتصالات.

وأوضحت أورسولا فون دير لين أن حوالى ثلث هذه الموازنة سيتم تخصيصها لمكافحة تغيرات المناخ لتوفير فرصة لدول الاتحاد لتطوير مصادر طاقة متجددة ونظيفة وتشجيع المستهلكين على شراء سيارات خالية من الإنبعاثات الكربونية والإستثمار فى التكنولوجيات المتقدمة وتوفير الطاقة بينما كان التمويل الأخضر فى الموازنات السابقة يتوقف عند 54 مليار دولار فقط، وضخ 697 مليار دولار للقطاعات كثيفة الإنبعاثات الكربونية مثل النقل الجوى والتنقيب عن الوقود الأحفورى.

وتصدرت ألمانيا دول الاتحاد الأوروبى فى تخصيص أكبر تمويل أخضر والذى بلغ حوالى 50 مليار دولار من خطة انتعاش اقتصادها وقيمتها 130 مليار يورو ( 145 مليار دولار) لتطوير المواصلات العامة والوقود المتجدد ولاسيما أن صناعة السيارات فى ألمانيا تمثل مساهمة كبيرة فى اقتصادها، حيث أوقفت الحكومة أى دعم للسيارات التى تعمل بالوقود التقليدى مثل البنزين والسولار ومنحت الدعم السخى لمن يشترى سيارات كهربائية لدرجة أن بعض موديلات رينو يمكن امتلاكها مجانا.

وقال برونو لو مير وزير مالية فرنسا أن حكومته تعهدت بتوفير 30 مليار يورو ( 35 مليار دولار) لتشجيع الإنفاق على مشروعات البيئة وتوفير خطوط ائتمانية لبفناء بيوت موفرة للطاقة ودعم السيارات الكهربائية والهجين وذلك ضمن خطة تمويل قيمتها 100 مليار يورو أعلنها الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون بهدف تحويل فرنسا إلى اقتصاد يخلو تقريبا من الانبعاثات الكربونية.

لكن بريطانيا ما زالت أقل دول الاتحاد الأوروبى فى تمويل البيئة النظيفة حيث لم تخصص سوى 5.4 مليار جنيه استيرلينى (6.8 مليار دولار) لتشجيع البيوت الخضراء ودعم التكنولوجيا اللازمة لمنتجات خالية من الكربون بينما لم تخصص الولايات المتحدة من برنامج تحفيز الاقتصاد البالغ 3.6 تريليون دولار أى مبلغ للاقتصاد الأخضر وإن كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب أصدرت قرارا لتقليل انبعاثات ثانى أوكسيد الكربون فى أنحاء البلاد.

واتفق قادة الاتحاد الأوروبى على فرض ضريبة على البلاستيك الذى لا يعاد تدويره وتحويل الأموال للتكتل، وكذلك فرض ضريبة على الخدمات الرقمية وعلى السلع المستوردة لدول الاتحاد من دول لديها معايير أقل من خفض انبعاثات الكربون، بين موارد أخرى بينما قال رئيس المجلس الأوروبى تشارلز ميشيل إن الاتفاق يُظهر إيمان الحكومات بمستقبل التكتل المشترك وأشادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالاتفاق باعتباره إشارة إلى أن أوروبا قادرة على التحرك ومواجهة الأزمات الصحية والاقتصادية والبيئية.

من جهته، قال المفوض الاقتصادى الأوروبى باولو جينتيلونى إن المدفوعات من برنامج التحفيز الضخم لمواجهة تداعيات فيروس كورونا التى أقرها قادة الاتحاد الأوروبى ستبدأ فى النصف الثانى من العام القادم، وإن بمقدور الدول استخدام نسبة منه، لكن التكتل سيحتاج للموافقة على موارد جديدة، مثل الضريبة الرقمية والضريبة على انبعاثات الكربون، لسداد الدين المشترك الذى يستحق سداده خلال الفترة بين 2026 و2056 وإلا فإن الدول المنفردة ستجد نفسها مضطرة لسداد الأموال لأن الاتحاد لا يستطيع سداد الدين المشترك.

ووصف رئيس القمة شارل ميشيل الاتفاق التاريخى الذى جرى التوصل إليه بأنه لحظة محورية لأوروبا بعد تحذير الكثيرين من أن فشل الاتفاق فى ظل جائحة فيروس كورونا كان سيضع استمرار التكتل محل شك شديد بعد سنوات من أزمة اقتصادية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى فى الفترة الأخيرة.

وذكرت وكالة رويترز أن أنباء الاتفاق الناجح دفعت أسواق الأسهم فى شتى أنحاء الاتحاد الأوروبى للصعود كما لامس اليورو أعلى مستوى منذ أربعة أشهر، علاوة على أن المحللين توقعوا تعافيا مستداما فى 2021 و2022 لجميع الدول الأوروبية واستعادة النمو الاقتصادى إعتبارا من العام المقبل.

وأشاد الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، الذى أشرف على الدفع من أجل التوصل للاتفاق مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بالاتفاق واصفا إياه بأنه تاريخى بحق ويرسل إشارة ملموسة بأن أوروبا قوة فاعلة قادرة على مواجهة الأزمات.

وعلى الرغم من قوة الاتفاق الرمزية فإنه جاء على حساب تخفيضات فى الاستثمار المقترح فى الصناديق الصديقة للبيئة، كما أنه لم يحدد شروط توزيع الأموال على دول، مثل المجر وبولندا التى يراها المحللون على أنها تنتهك القيم الديمقراطية.

لكن كشفت القمة أيضا عن أوجه قصور فى الاتحاد من المرجح أن تعرقل صنع القرار مستقبلا بشأن المال حيث تقاوم دول الشمال الأكثر ثراء مساعدة الجنوب الأكثر فقرا فى ظل تكتل يضم 27 دولة تملك كل منها حق النقض (الفيتو)، حيث وقادت هولندا مجموعة من الدول المقتصدة تشمل النمسا والسويد والدنمرك وفنلندا وأصرت على أن مساعدة إيطاليا وإسبانيا وغيرها من بلدان البحر المتوسط التى تحملت العبء الأكبر للجائحة ينبغى أن تكون معظمها على هيئة قروض وليس منح لا ترد.

وقال رئيس الوزراء الهولندى مارك روته إنه كان هناك القليل من الصدامات، لكن كل هذا جزء من لعبة المفاوضات ووصف علاقته بنظيره الإيطالى جوزيبى كونتى بأنها دافئة، ولكن المستشار النمساوى زيباستيان كورتس أكد أن قوة تفاوض الدول المقتصدة ظهرت لتبقى، مشيرا إلى أن المحرك الفرنسى الألمانى التقليدى لأوروبا سيواجه تحديات من اتحاد دول أصغر معا.

وبموجب الاتفاق الذى جرى التوصل إليه بعد مفاوضات ماراثونية فى بروكسل ، ستقترض المفوضية الأوروبية 750 مليار يورو مستغلة تصنيف ديونها عند AAA، وستصرف منحا بقيمة 390 مليار يورو وهو أقل من 500 مليار الذى كان مستهدفا فى البداية، وقروضا أخرى منخفضة الفائدة قيمتها 360 مليار يورو.

وأكد رئيس المجلس الأوروبى شارل ميشيل أن الخطة الضخمة التى توصل إليها الاتحاد الأوروبى بشق الأنفس من أجل إنعاش اقتصاداته المتضررة بشدة من جائحة فيروس كورونا أظهرت أن دول التكتل تمكنت من الوقوف معا بإيمان مشترك فى مستقبلها لمواجهة التحديات الناجمة عن أزمة مرض كوفيد- 19 المميت.

وقال ميشيل فى مؤتمر صحفى، بعد أن ترأس قمة سادتها الخلافات إن هذا الاتفاق يبعث بإشارة ملموسة على أن أوروبا قوة عمل وإن الأمر أكثر كثيرا من مجرد أموال وإنه يتعلق بالعمال والأسر ووظائفها وصحتها وضمانها الاجتماعى وإن هذا الاتفاق يعتبر لحظة فارقة فى رحلة أوروبا وسينطلق بها أيضا إلى المستقبل.

ومع ذلك تواجه خطة التعافى الآن مسارا صعبا محتملا فى البرلمان الأوروبى ويتعين أن تصدق عليها جميع الدول الأعضاء وهو ما يعنى إرجاء تحويل الأموال إلى الاقتصادات التى فى حاجة ماسة للمساعدة فى الوقت الراهن غير أن وزير الاقتصاد الألمانى بيتر ألتماير يرى أن احتمال حدوث تعاف اقتصادى تدريجى فى النصف الحالى ازداد بفضل اتفاق قادة الاتحاد الأوروبى على خطة تحفيز ضخمة لاقتصاداتهم التى تضررت من أزمة فيروس كورونا.

وأوضح ألتماير أن الصفقة نبأ طيب للملايين فى ألمانيا وأوروبا وفرصة لتحقيق تعافيا حذرا وبطيئا فى النصف الثانى من العام، بينما مدح الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون الاتفاق الذى جاء بعد مفاوضات طويلة وشاقة تعين خلالها تقديم تنازلات لإقناع الدول التى كانت تعرقل الاتفاق بقبوله وأن التنازلات كانت متناسبة وضرورية لوضع خطة تعاف ضخمة بما يكفى لتكون فعالة.

ومن جهة أخرى، تلقى زعماء الاتحاد الأوربى الذين شاركوا فى المفاوضات الشاقة بشأن حزمة للتعافى الاقتصادى لمحاربة ركود ناتج عن جائحة كوفيد- 19، وثيقة من المفوضية الأوروبية تقترح خفضا بنسبة %17.5 فى الميزانية الرقمية للتكتل التى تستهدف اللحاق بالولايات المتحدة والصين فى تكنولوجيات رئيسية.

وكانت المفوضية الأوروبية اقترحت فى وقت سابق هذا العام ميزانية بقيمة 8.2 مليار يورو (9.2 مليار دولار) لبرنامجها أوروبا الرقمية لتعزيز القدرة التنافسية للاتحاد فى الحوسبة العملاقة والذكاء الاصطناعى والأمن السيبرانى حيث تتطلع الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبى إلى تكنولوجيات رقمية وأهداف بيئية طموحة لتعزيز نمو اقتصادى مستدام وتقليل اعتماد التكتل على دول أخرى وشركات أجنبية.

وجاء فى الوثيقة التى اطلعت عليها وكالة رويترز أن القيمة المالية لتنفيذ برامج أوروبا الرقمية للفترة 2021 إلى2027 تبلغ 6.761 مليار يورو وتتضمن أيضا تقليص برنامج طموح للبحوث والابتكار بقيمة 100 مليار يورو، يطلق عليه آفاق أوروبا، إلى 75.9 مليار يورو وتتصور أيضا أن الخطط الوطنية لإنفاق الأموال سيتعين أن تحصل على موافقة أغلبية مطلقة لحكومات الاتحاد الأوروبي.

◗❙

زعماء الاتحاد الأوروبى يتفقون على تخصيص موازنة تتجاوز 2.1 تريليون دولار لمواجهة كوفيد-19

◗❙