المسئولية الفنية التقصيرية لبارتولدى! (1)

المسئولية الفنية التقصيرية لبارتولدى! (1)
محمد بكري

محمد بكري

7:16 ص, الأحد, 12 فبراير 23

هل أخطأ شخصيا ومهنيا النحات الفرنسي أوجست بارتولدي في تصميمه لتمثال شامبليون داعسا بحذائه لراس ملك مصري، عندما استلهمه – كقوله – من اسطورة اوديب بفكه لغز سؤال ابوالهول، ليكون خطأ بتقديم صورة خادعة رتبت ضررا للحضارة المصرية والمصريين ، بما يستوجب مسؤوليته الفنية التقصيرية؟

قبل إنصاف قضية المصريين مع بارتولدى وتمثاله شامبليون؛ يلزم حسم جدلية مدى حرية إبداع الفنان ومسئوليته عن عمله الفنى الخاطئ، بوصفها قضية فنية، قانونية، تاريخية، فلسفية تناقش بموضوعية أثر الفن فى المجتمعات، وتشكيله للوعى الجمعى للجمهور بوقت عرض العمل الفنى الخاطئ، وأثره فى ترسيخ الخطأ بالأجيال المتعاقبة التى لا تعرف خلفيته التاريخية أو غرضه أو تفهم رسائله! حيث يستمر العمل/الخطأ مكانيًا، ويتعاقب البشر عليه زمنيًا، دون احترافهم لقراءة مكنونه! خصوصًا إذا عمد الفنان لاستغلال الفن لتمرير فكره بتزييف التاريخ أو ممارسة التحرش الثقافى أو تجسيد العنصرية. (يحدث ذلك أحيانًا بتعظيم أو تضخيم العمل الفنى لحدث معين، يختلف أو ينحرف عن مضمون أو علاقات الحدث الحقيقي). وطالما المشاهد غير قادر أحيانًا (ثقافيًا، فنيًا، تاريخيًا، معرفيًا) على معرفة أو تمييز أو اكتشاف العلاقة بين العمل المعروض والحقيقة، فستكون المعانى والرسائل التى يقدمها العمل الذى يراه بمثابة الواقع والحقيقة له، رغم احتمال مخالفته للواقع أو الحقيقة!

وبالتالي؛ هل تتعارض حرية التعبير والإبداع لعمل فنى خطأ مع حدود المسئولية المدنية للفنان؟ أم أن صفة الفنان تعتبر من موانع المسئولية أو العقاب أو أسباب الإباحة، حتى لو أضر عمله بالآخرين؟ وهل حدود حرية الإبداع، تتوقف عند النقد الفنى فقط دون مسئولية قانونية للفنان عن الضرر، ولو أثبت المضرور خطأ العمل الفنى وتضرره منه؟ أم أن أقصى ما يمكن أن يتعرض له الفنان هو النقد الفنى والشعبى لعمله الذى قد يصل لإهمال أعماله وضياعها من سجلات التاريخ، لكون العالم الفنى مستقلًا بذاته، وحتى إن أخطأ فى حق الآخرين أو تعرض بالنقد والتعدى على الغير، فلا جناح عليه فى شيء؟ لدرجة أن التغاضى العقلى عن الخطأ الفنى قسرًا لمجرد كونه أمرًا واقعًا لا نقاش فيه ولا جدال به، يجعله مقبولًا بدعوى تحرر الفن والفكر؟ والقول بغير ذلك يكون تسييسًا للفن، وإرهابًا فكريًا وردة للعصور الوسطى وتكبيلًا لحرية التعبير؟

بحثى الفنى أثبت أن (العمل الفنى وقت مشاهدته، يكون الحدث الذى سجلته العين والنفس فى لحظة المشاهدة، بما يُغلب أثر أنه وقع فعلًا، ليس فقط بذهن الفنان والمشاهد فقط، بل فى الزمن أيضًا! فاحتفاظ الزمن باستمرار وجود العمل ينقله للغير، سواء أكان بشرًا أم أزمنة أخرى! وهنا تكمن خطورة وظيفة ودور العمل الفنى الجمالى والدلالى، لإمكانية استغلاله أحيانًا للخداع والإيهام، بالتشكيل البصرى والمبالغة لتحقيق متعة المشاهدة أو الإحساس بالجمال! فإما يسجل العمل الواقع كما هو، ولكن ببعض المبالغة للتجميل أو الإعجاب، وإما يختزله ويخالفه لبعث إشارة لحقيقة أخرى صحيحة أو خاطئة! هنا يحتل العمل الفنى جوهر لحظة معينة، ويجعلها دائمة، باستثارة اهتمام المشاهد وحسه الجمالى لما يقدمه من معلومات ومعانٍ سلبية أو إيجابية، فيتعامل معه المشاهد شعوريًا أنه الواقع أو الحقيقة بصورة أخرى، فيحتفظ به لا شعوريًا، ويسترجعه داخليًا وفى أحكامه الخارجية!)

تحسم الدراسات الفنية أن (الصورة وإن باتت قادرة على فضح الحدث، ولكنها صالحة أيضًا للتوظيف لإخفاء حقائق كثيرة، حين تمارس فعلًا ضديًا! فالمصور الضوئى أو الفنان التشكيلى، بمقدوره تحويل الحقيقة المطلقة لحقيقة جزئية، بإحداث الحركة والخروج عن سياق الواقع، بإيجاد واقع تقنى جديد داخل الكاميرا أو اللوحة أو التمثال، بتركيبه للأفكار التى يحملها ويختزلها فى فكرة واحدة، بتنظيم مكوناتهم التقنية والفنية، والتحكم فيها؛ لعكس الوضع العام الذى يريد التعبير عنه، فتكون رؤية المصور للحظة التى يصور فيها هى جزء من الحقيقة التى تنطبع فى فكر المشاهد، فى حين أنها قد لا تكون هى نفسها الصورة الفعلية الموجودة واقعيًا، فتتراءى للمشاهد على أنها حقيقة! وهنا تأتى خدعة الصورة، لدرجة أن يكون لها أحيانًا مصداقية تفوق مصداقية الواقع الحقيقى، وينظر الناس على أنها طبيعية، فتصبح صنمية الطابع) فيصدق المشاهد الخدعة، ويتعايش معها، طالما لم تُفند أو يُفضح الخطأ. فتكون النتيجة استمرار خطأ المضمون وضرر المشاهد، لتعاقب الزمن بلا تصحيح، بما يسمح للمنتفعين بتبرير الخطأ كحقيقة فنية.

من هنا يأتى دور العمل الفنى فى تزييف الوعى وغيابه! (فالفن ليس مجرد نسخ لحقيقة جاهزة معدة مسبقًا، بل هو من السبل المؤدية لمعرفة الأشياء فى الحياة البشرية، ونظرة المبدع للأمور تعطى عمله بُعدًا، وتوجهًا فكريًا، بقدراته على عكس الواقع بأبعاد شمولية أكثر لاختراق الخيال العام، وبالتالى الانشغال الذهنى للمشاهد، وصولًا لهيمنة المخبوء عن الوعى، لمربع اللاوعى، بما يجعل للصورة مهمة سرية تتجاوز البصر للبصيرة! فيحيل العمل لمضخَّة معرفية تزدحم بالدلالات، والإيحاءات، وتعبيرات تتجاوز البعد الجمالى منها، لرسائل غير مرئية –سلبية أو إيجابية- تتسرب خارج الحدود الرسمية للصورة، فتسهم فى عكس مفهوم الحقيقة على مجمل النشاط الثقافى، والمعرفى المسئول عن صنع الوعى المباشر للمشاهد وللمجتمع بالتبعية).

هنا تتبلور إشكالية سؤال المقال الأساسى حول المسئولية المدنية للفنان عن خطئه فى عمله الفنى، خاصة إذا توافر فيه مفهوم تعمد الخطأ التاريخى، أو السرقة الفنية، أو التحرش الثقافى، أو تجسيد العنصرية أو كلها، لترجمة مفهوم تزييف الوعى كخطأ مادى يلحق ضررًا بالغير، سواء تم الخطأ بتجسيد العمل لحدث معين أو أكثر من حدث فى عمل واحد لتخليد فكرة معينة، فتتحقق عندها خدعة الصورة بانتزاع مصداقية كاذبة، تفوق مصداقية الواقع الحقيقى، فينظرها الناس على أنها طبيعية، ليتوغل الخطأ فى لاوعى المشاهد، وينجح فى بث رسائله السلبية المزيفة، فيتحقق منه الضرر بسببية مباشرة.

لا خلاف على رسوخ علم النقد الفنى وفقًا لقواعد عالمية، وعدم خلط خطأ الفنان بالمسئولية المدنية حتى الآن! فالحساسية تكمن فى جواز مناقشة الفن بمنظور القانون أو قواعد المسئولية، وقلق استحداث قيود على المطلق، والسماح للتطرف بوضع يده على حرية التعبير والإبداع، ولكن القواعد والقانون هما ما يفرقان البشر عن الحيوانات! لا توجد تابوهات أو صنميات فى العلم، فمتى وُجد إطار فحتمًا هناك نتائج! وهذا ما سيثبته المقال القادم بتطبيق قواعد الفن والقانون، لإثبات المسئولية الفنية التقصيرية لبارتولدى عن خطأه بتمثال شامبليون فى حق مصر والمصريين!

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]