المخابرات الأمريكية والقطاعات غير المنظمة والمظاهرات القادمة

المخابرات الأمريكية والقطاعات غير المنظمة والمظاهرات القادمة
طارق عثمان

طارق عثمان

6:38 ص, الأحد, 26 ديسمبر 21

فى 2017 أحد التقارير المنشورة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية تخيل خبرًا صحفيًّا خلال عدد قليل من السنوات، عن مظاهرات فى لندن للعاملين فى القطاعات الاقتصادية غير المنظمة- من يُعرفون بالـ«gig workers»، مثل سائقى التاكسيات من خلال شركات تكنولوجيا وغيرها من تلك الخدمات التى ظهرت فى العقد الماضى، وتوسعت وانتشرت بشكل سريع وواسع تقريبًا فى كل العالم.

الخبر المُتخيَّل تحدّث عن خلافات بين الشركات العملاقة التى تقدم تلك الخدمات وبين العاملين فى تلك القطاعات، سببها عدم التوازن بين أرباح الشركات وما يحصل عليه العاملون، وعدم وجود أية فؤائد أو تأمينات للعاملين، وعدم الأمان الاقتصادى المترتب على كل ذلك.

الخبر المُتخيل لم يتحول إلى حقيقة بعدُ، لكن بالفعل هناك خلافات وصلت إلى المحاكم- فى لندن- بين عدد من تلك الشركات والعاملين فى الـ«gig economy»، الذين يطالبون بقدر من الحقوق، بينما الشركات ترفض من منطلق أن هؤلاء (مثلًا سائقى التاكسي) ليسوا عاملين فى الشركة، ولكنهم متعاقدون معها.

تقرير المخابرات الأمريكية لم يكن بعيد النظر بشكل خاص، ذلك أن عددًا من المراقبين تصور أن العلاقات الاقتصادية فى تلك القطاعات، مع ازدياد أهميتها فى أغلب أسواق العالم، مؤدّ بالضرورة إلى مشاكل اجتماعية.

المشكلة تكمن فى ثلاث نقاط؛ الأولى أن الغالبية الساحقة من الوظائف التى تُخلق فى أغلب اقتصادات العالم الآن من ذلك النوع القائم على gig economy، حيث، بالفعل، ليس هناك أى أمان اجتماعى. المشكلة الثانية أن هذه الوظائف لا تؤدى إلى أى ترقٍّ اجتماعى، وبالطبع ليست طرقًا لتحصيل أية ثروة. وثالثًا هذه الوظائف لا تتيح تعلم مهارات جديدة.

تلك النقاط مجتمِعة مشكلة كبيرة، وستزداد كبرًا؛ لأن نوعية الـgig economy فى توسع من قطاع لآخر، وذلك توسع صعب أن يتراجع فى ظل التيارات الحالية فى الاقتصاد العالمى.

هناك بعض الأفكار التى تحاول تقديم حلول، غالبًا فى صورة اقتراحات لقوانين تضمن قدرًا من الحماية لهؤلاء الذين يجدون أنفسهم بلا فرص عمل باستثناء تلك فى الـgig economy.

هناك أيضًا اقتراحات بأنواع جديدة من الضرائب عابرة للحدود تُدفع لمجموعات كاملة من الدول، وتلك تنويعات على فكرة إيجاد قدر من العدالة لتحجيم أرباح تلك الشركات الحاكمة فى الـgig economy.

لكن تلك الأفكار حتى الآن ليست أكثر من ذلك، مجرد أفكار. والغالب أنها، لأسباب مختلفة، لن توضع محل أى تنفيذ جاد، على الأقل فى المستقبل المنظور.

المشكلة إذن باقية، لكن الجانب الأخطر فيها قائم على شيئين؛ أحدهما أن فى عمق توسع الـgig economy ترسيخًا لنوع من الاقتصاد يقوم؛ ليس فقط على وضع من عدم توازن حاد بين الشركات العملاقة (وهى قليلة العدد جدًّا) ومجموعات كبرى ومتزايدة من العاملين- لكن مع ذلك، وبناء عليه، هناك ترسيخ لدرجات خطيرة من عدم العدالة الاقتصادية.

فكرة العدالة الاقتصادية- وما وراءها، العدالة الاجتماعية- أصبحت يتيمة؛ لأنه ليس هناك اقتصاد واحد ذو مكانة أو أهمية فى العالم (خارج إسكندنافيا) قائم على تلك الفكرة. وعليه فليست هناك أُطر سياسية تقدم قوانين أو اتجاهات فى الاقتصاد السياسى تحاول حل تلك المشكلة من العمق.

الشيء الثاني: ما دام هناك توسع رهيب وسريع فى تطور تكنولوجيات مثل الذكاء الصناعى والكمبيوتر الـquantum، فإن ذلك مؤدٍّ بالضرورة إلى توسع فى الـgig economy؛ أى أن المشكلة فى ازدياد طبيعى يفرضه المفهوم العام للتقدم.

لذلك فإن تقرير المخابرات الأميركية فى 2017 قدم صورة عن نتيجة محتملة جدًّا لتوسع الـgig economy، لكنه لم يقدم حلولًا أو تصورات لحلول؛ ذلك أن الحلول غالبًا لن تأتى من قوانين أو تقييدات فى الاقتصاد السياسى، ولكن من هزّات اجتماعية كبيرة لن تفرق بين مجتمعات كانت حتى الأمس شديدة الثراء، وأخرى تُسمى أدبًا ذات أسواق ناشئة.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن