الأسبوع الماضي، كتبت في نفس هذا المكان عن الوسيلة، التي كشف عنها الدكتور أحمد نظيف، وعدد من وزراء حكومته الإصلاحيين مؤخراً، للتغلب على قوى البيروقراطية العديدة في أجهزة الدولة، وتتمثل فى تخليق كيانات موازية قادرة على مجاراة سرعة وكفاءة القطاع الخاص، كان باكورتها الإعلان عن مركز ضريبى جديد، للتعامل مع كبار الممولين «v.i.p».
ويبدو من بعض المؤشرات و«المشاهدات»، أن الحكومة بصدد تعميم نظريتها في التوازى على قطاع بالغ الأهمية والحساسية يتمثل فى الإعلام.
بداية، فإن تحرير هذا القطاع تحديداً، يكاد يكون مطلباً شعبياً، من فرط ما مل أو جن- أيهما أقرب لطبيعته- رجل الشارع وامرأة الشارع وأطفال الشوارع، مما تقدمه هذه الآلة العجيبة، الماثلة في مبنى ماسبيرو، المكتظ بنحو37 ألف موظف، تحت دعاوي الريادة والآصالة والحفاظ على السلم الاجتماعي والأمن العام.
بل أذهب في ادعائي، إلى أن ما «يخرجه» أغلب الأخوة والأخوات العاملين في هذا الكيان الديناصوري متعدد الأقمار والقنوات من إبداع، يتنافى مع واحد من أهم حقوق الإنسان- من وجهة نظري-، وهو حقه في الحصول على إعلام «نظيف»، يحترم آدميته ويخاطب وعيه، لا أن يحاول وبإصرار عجيب أن يفقده الوعي.
ولكن، في أعقاب حوار آجريته قبل عدة أسابيع مع أحد المسئولين الإصلاحيين البارزين في الحكومة، سألته وأنا في طريقي للانصراف، عما تعتزم الحكومة القيام به تجاه إصلاح القطاع الإعلامي، الذي تكاد تكون محتكرة لجميع أفرعه من الصحافة المطبوعة وحتى الصحافة المسموعة والمرئية، وعبرت له عن مخاوفي، من أن تتسم خطوات فتح الأبواب الموصدة في هذا القطاع بالغموض وعدم الشفافية، كأن يتم الترخيص لأحد بعينه، بتملك أو إدارة قناة تليفزيونية أو محطة إذاعية- كما تم قبل نحو عامين-، دون أن يعلم أحد كيف ولماذا … إلى آخره.
والحقيقة أن الإجابة قد أحبطتني- كما ادعى أنها ستحبطكم-، إذ برر المسئول ذلك، بأنه قد يكون من الأفضل في التعامل مع مثل هذه القطاعات الحساسة، السماح بما أطلق عليه «حالة تجريبية»، يتم تقييمها والبناء على نتائجها!.
مضى المسئول مسرعاً، تاركاً سؤال مهم يبحث عن إجابة، يتعلق بمعايير اختيار «المجرب الأول»، أو بمعنى أدق «المحتكر» الأول، بحكم أن منافسه في تقديم الخدمة الإعلامية هو الحكومة نفسها، التي لا تتنافس كافة وسائلها، سوى على تطفيش المشاهدين والمستمعين والقراء.
هل المعيار مثلا أو أحد المعايير،أن يكون مضمون الولاء؟، أو أن يتعهد بتقديم نفس الرسالة الاعلامية ولكن بشكل أكثر حداثة؟، أن يستبدل الوجوه والمعدات والاستديوهات، ويعيد تلوين الشاشة القاتمة بألوان متوهجة، تخطف الأبصار، ثم لا تلبث أن تنقشع عن نفس الصورة الباهتة القديمة ؟!.
حتى لو سلمنا جدلا بصحة هذه المعايير، وأنا شخصياً لا أسلم، فلماذا لا يتم الكشف عنها، ونتيح الفرصة، كي يتكالب كل من يرتضى ويقبل ويرغب، على استعراض مواهبه الإعلامية والسياسية والفنية «الارتيستية»!، وبذلك تفرز آليات السوق أفضل العناصر المطلوبة.
نعلم أن التوقيت حساس، وأن على الأبواب الحملة الانتخابية الرئاسية، لأول انتخابات ستجرى في تاريخ مصر الحديث والقديم عن طريق الاقتراع السري المباشر بين أكثر من مرشح، ونلمح إلى أن البعض قد يقدم نفسه، بوصفه القادر على إدارة هذه الحملة إعلامياً بالشكل «المودرن» المطلوب.
كل هذا جميل، ولكنه لا يمنعنا، ولا يثبط همتنا في أن نطالب بإجراء تحرير- ولو جزئي- لصناعة الإعلام، يتيح لأكثر من لاعب من القطاع الخاص- وفقاً لشروط معروفة ومعلنة ومحددة سلفاً-، التنافس والتطاحن على تقديم الأجود للقارئ والمستمع والمشاهد، وليس لرئيسه المباشر أو لصانع القرار، كما عودنا هؤلاء القابعون في مبنى ماسبيرو العتيق.